تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
الخوف وذلك لتلازمهما ، إذ عادة العرب التعبير عن الشيء بما يلازمه ، بل أقول : كل ما ورد في فضل البكاء من خشية اللّه فهو إظهار لفضيلة الخشية ، فإنّ البكاء ثمرة الخشية فقد قال تعالى :
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
[ التوبة : 82 ] ، وقال تعالى :
يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً
[ الإسراء : 109 ] ، وقال عز وجل :
أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سامِدُونَ
[ النجم : 59 - 61 ] ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من عبد مؤمن تخرج من عينيه دمعة وإن كانت مثل رأس الذباب من خشية اللّه تعالى ثم تصيب شيئا من حر وجهه إلا حرمه اللّه على النار » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا
شرح
ما لا يَرْجُونَ[ النساء : 104 ] أي يخافون منه ما لا يخافون ( لتلازمهما ) ولولا أنهما كشيء واحد لما فسر أحدهما بالآخر ( إذ عادة العرب التعبير عن الشيء بما يلازمه أي من مذهبهم ) ان الشيء إذا كان لازما للشيء أو وصفا له أو سببا عنه أن يعبروا عنه به ، ومثل أحدهما من الآخر مثل اليوم من الليلة لما لم ينفك أحدهما عن الآخر جاز أن يعبر عن المدة بأحدهما فيقال : ثلاثة أيام ، ويقال ثلاث ليال ومنهم قوله تعالى مخبرا عن قصة واحدة :قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا[ مريم : 10 ] ثم قال :ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً[ آل عمران : 41 ] فلما لم يكن اليوم ينفك عن ليلته ، والليلة لا تنفك عن يومها أخبر عن أحدهما بالآخر لأن أحدهما متصل بصاحبه فصارا كشيء واحد ، فكيف وأن الليل والنهار أحدهما لبسة والآخر مندرج لا يظهر إلا أحدهما بحكمة اللّه تعالى وقدرته لتفاوت أحكامه فيهما وافتراق انعامه بهما ، فإذا ظهر النهار اندرج الليل فيه بقدرة اللّه تعالى ، وإذا ظهر الليل استتر النهار لحكمة اللّه تعالى وهو حقيقة إيلاجه أحدهما في الآخر ، وتحقيق تكويره أحدهما على صاحبه ، فكذلك حقيقة الرجاء من الخوف في معاني الملكوت إذا ظهر الخوف كان العبد خائفا وظهرت عليه أحكام الخوف من مشاهدة التجلي بوصف الخوف ، فسمي العبد خائفا لغلبته عليه ويظهر الرجاء من خوفه ، وإذا ظهر الرجاء كان العبد خائفا راجيا وظهرت منه أحكام الرجاء من مشاهدة تجلي الربوبية بوصف مرجو فوصف العبد به لأنه الأغلب عليه وبان الخوف في رجائه ، ( بل أقول : كل ما ورد في فضل البكاء من خشية اللّه فهو إظهار لفضيلة الخشية فإن البكاء ثمرة الخشية فقد قال تعالى :فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراًوفي حديث أنس : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وقد سبق . ( وقال تعالى ) في وصفه الباكين من العلماء في السجود لمزيد اليقين بالخشوعوَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ ( يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاًوقال عز وجل :أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سامِدُونَأي رافعون رؤوسكم متحيرونفَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا[ النجم : 62 ] ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من عبد مؤمن تخرج من عينيه دمعة وإن كانت مثل رأس الذباب من خشية اللّه تعالى ثم تصيب شيئا من حرّ وجهه إلا حرمه اللّه على النار » ) قال العراقي : رواه الطبراني والبيهقي في الشعب من حديث بن مسعود بسند ضعيف اه . قلت : وروى ابن النجار من حديث انس : « ما من عين خرج منها مثل الذباب من الدموع من