تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
الآخر وهما مجتمعان ، ويجوز أن يشتغل القلب بأحدهما ولا يلتفت إلى الآخر في الحال لغفلته عنه ، وهذا لأن من شرط الرجاء والخوف تعلقهما بما هو مشكوك فيه ، إذ المعلوم لا يرجى ولا يخاف فإذا المحبوب الذي يجوز وجوده يجوز عدمه لا محالة ؛ فتقدير وجوده يروح القلب وهو الرجاء ؛ وتقدير عدمه يوجع القلب وهو الخوف ، والتقديران يتقابلان لا محالة إذا كان ذلك الأمر المنتظر مشكوكا فيه ، نعم أحد طرفي الشك قد يترجح على الآخر بحضور بعض الأسباب ويسمى ذلك ظنا . فيكون ذلك سبب غلبة أحدهما على الآخر ، فإذا غلب على الظن وجود المحبوب قوي الرجاء وخفي بالإضافة إليه ، وكذا بالعكس ، وعلى كل حال فهما متلازمان ، ولذلك قال تعالى :
وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
[ الأنبياء : 90 ] ، وقال عز وجل :
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً
[ السجدة : 16 ] ، ولذلك عبر العرب عن الخوف بالرجاء فقال تعالى :
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
[ نوح : 13 ] أي لا تخافون ، وكثيرا ما ورد في القرآن الرجاء بمعنى
شرح
في رجائه لأنه لما تحقق برجاء شيء خاف فوته لعظم المرجو في قلبه وشدة اغتباطه به ، فهو لا ينفك في حال رجائه من الخوف لفوت الرجاء . ( نعم يجوز أن يغلب أحدهما على الآخر وهما مجتمعان ) وهذا خلاف ما قاله بعضهم أنه لا يجوز أن يتغلب أحدهما على الآخر لاستوائهما في التعلق بالأسباب فتأمل ذلك . ( ويجوز أن يشتغل القلب بأحدهما ولا يلتفت إلى الآخر في الحال لغفلته عنه ، وهذا لأن من شرط الرجاء والخوف تعلقهما بما هو مشكوك فيه ) أو مظنون ( إذ المعلوم لا يرجى ولا يخاف ) كما سبق ، ( فإذا المحبوب الذي يجوز وجوده ويجوز عدمه لا محالة ، فتقدير وجوده يروح القلب وهو الرجاء وتقدير عدمه يوجع القلب وهو الخوف ، والتقدير أن يتقابلان لا محالة إذا كان ذلك الأمر المنتظر مشكوكا فيه . نعم أحد طرفي الشك قد يترجح بحضور بعض الأسباب ويسمى ذلك ظنا ) وهذا هو المراد لغيره ، وأما المراد لذاته فإنه مبني على الشك ، ( فإذا غلب على الظن وجود المحبوب قوي الرجاء وغلب الخوف بالإضافة إليه وكذا بالعكس ) ، فهذا معنى غلبة أحدهما على الآخر ، ولو استويا في التعلق بالأسباب . ( وعلى كل حال فهما ) وصفان ( متلازمان ) لا ينفك أحدهما عن الآخر ، ( وكذلك قال تعالى :وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباًوقال عز وجل :يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاًولذلك عبر العرب عن الخوف بالرجاء ) وسموه به ( فقال تعالى ) على هذه اللغة : (ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراًأي لا تخافون ) للّه عظمة اجمعوا على هذا التفسير وهو مخرج على قولهم : مالك لا ترجو كذا وهم يريدون . مالك لا تخاف وهو أيضا أحد وجهي تفسير قوله تعالى :فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ[ الكهف : 110 ] أي يخاف من لقائه . ( وكثيرا ما ورد في القرآن الرجاء بمعنى الخوف ) كما في قوله تعالى :قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ[ الجاثية : 14 ] أي يخافون عقوبات اللّه . وكذا قوله تعالى :وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ