تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
ومنها : إبهام اللّه تعالى أمر القيامة ، وإبهامه ليلة القدر ، وساعة يوم الجمعة ، وإبهامه
شرح
ولفظ القوت : ومن كبائر النعم ثلاث : من جهلها أضاع الشكر عليها ومعرفتها شكر العارفين . أولها : استتار اللّه عز وجل بقدرته وعزته عن الأبصار ، ولو ظهر للعباد العيان لكانت معاصيهم كفرا لأنهم لم يكونوا ينقصون من المعاصي المكتوبة عليهم جناح بعوضة ولأنه تعالى كان يظهر بوصف لا يمتنعون معه من المعاصي ، ووراء هذا سائر الغيوب إلا أنهم كانوا يكفرون بالمواجهة لانتهاك حرمة المشاهدة ، وأيضا لما كان لهم في الإيمان من عظيم درجات ما لهم الآن ، لأنهم حينئذ يؤمنون بالشهادة وهم اليوم يؤمنون بالغيب فرفعت لهم الدرجات بحق اليقين ، ولذلك مدحهم اللّه تعالى ووصفهم . والنعمة الثانية : إخفاء القدر والآيات عن عموم الخلق لأنها من سر الغيب وصلاح العبيد واستقامة الدنيا والدين ، ولو ظهرت لهم لكانت خطاياهم الصغائر كبائر مع معاينة الآيات ولما ضوعفت لهم على أعمالهم الحسنات كمضاعفتها الآن للايمان بالغيب . والنعمة الثالثة : تغييب الآجال عنهم إذ لو علموا بها لما كانوا يزدادون ولا ينقصون من أعمالهم الخير والشر ذرة ، فكان ذلك مع علمهم بالأجل أشد مطالبة لهم وأوقع للحجة عليهم وأخفى ذلك عنهم معذرة لهم من حيث لا يعلمون ولطفا بهم ونظرا إليهم من حيث لا يحتسبون ، ثم بعد ذلك من لطائف النعم شمول ستره لهم احتجب بعضهم عن بعض وسترهم عند العلماء والصالحين ، ولولا ذلك لما نظروا إليهم ثم حجب الصالحين عنهم ، ولو أظهر عليهم آيات يعرفون بها حتى يكون الجاهلون على يقين من ولاية اللّه تعالى لهم وقربهم منه لبطل ثواب المحسنين إليهم ولحرم قبول إحسانهم عليهم ولحبطت أعمال المسيئين إليهم ففي حجب ذلك وستره ما عمل العاملون لهم في الخير والشر على الرجاء وحسن الظن بالغيب وراء حجاب اليقين وتأخرت عقوبات المؤذين لهم عن المعاجلة لما ستر عليهم من عظيم شأنهم عند اللّه وجليل قدرهم ، ففي ستر هذا نعم عظيمة على الصالحين في نفوسهم من سلامة دينهم وقلة فتنتهم ونعم جليلة على المتهتكين لحرمتهم المصغرين لشعائر اللّه من أجلهم إذا كانوا ساروا إليهم من وراء حجاب ، فهذا هو لطف خفي من لطف المنعم اللطيف الوهاب كما جاء في الخبر يقول اللّه تعالى « من آذى وليا من أوليائي فقد بارزني بالمحاربة » ثم إن المثابر لولي يكون مثل ذلك مثل من آذى نبيا وهو لا يعلم بنبوته قبل أن يخبره أنه رسول اللّه وان اللّه تعالى نبأه فلا يكون وزره وزر من انتهك حرمة نبي قد كان أعلمه أنه نبي اللّه لعظيم حرمة النبوة . وروينا عن جعفر الصادق وغيره من السلف في معنى هذه النعم التي أوجبنا الشكر في إخفائها قال : إن اللّه تعالى خبأ ثلاثا في ثلاث : رضاه في طاعته فلا تحقروا منها شيئا لعل رضاه فيه ، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقروا منه شيئا لعل غضبه فيها ، وخبأ ولايته في عباده المؤمنين فلا تحقروا منهم أحدا لعله ولي اللّه عز وجل اه . ( ومنها إبهام اللّه تعالى أمر القيامة ) متى تقوم ، ( وإبهامه ليلة القدر ) في أي ليلة من ليالي