تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
ولنقتصر على هذا القدر فقد خرج عنان الكلام عن قبضة الاختيار وامتزج بعلم المعاملة ما ليس منه فلنرجع إلى مقاصد الشكر فنقول : إذا رجع حقيقة الشكر إلى كون العبد مستعملا في إتمام حكمة اللّه تعالى ، فأشكر العباد أحبهم إلى اللّه وأقربهم إليه وأقربهم إلى اللّه الملائكة ولهم أيضا ترتيب ، وما منهم إلا وله مقام معلوم ، وأعلاهم في رتبة القرب ملك اسمه إسرافيل عليه السلام ، وإنما علو درجتهم لأنهم في أنفسهم كرام بررة ، وقد أصلح اللّه تعالى بهم الأنبياء عليهم السلام ، وهم أشرف مخلوق على وجه الأرض ، ويلي درجتهم درجة الأنبياء فإنهم في أنفسهم أخيار ، وقد هدى اللّه بهم سائر الخلق وتمم بهم حكمته ، وأعلاهم رتبة نبينا صلّى اللّه عليه وسلم إذ أكمل اللّه به الدين وختم به النبيين ، ويليهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء فإنهم في
شرح
( ولنقتصر على هذا القدر فقد خرج عنان الكلام عن قبضة الاختيار ، وامتزج بعلم المعاملة ما ليس منه فلنرجع إلى مقاصد الشكر فنقول : إذا رجع حقيقة الشكر إلى كون العبد مستعملا في إتمام حكمة اللّه تعالى فأشكر العباد ) أي أكثرهم شكرا ( أحبهم إلى اللّه تعالى وأقربهم إليه وأقربهم إلى اللّه تعالى الملائكة ) وذلك بالسعي في اكتساب الممكن من هذه الصفة والمتخلق بها يصير رفيقا للملأ الاعلى من الملائكة فإنهم على بساط القرب ، فمن ضرب إلى شبه من صفاتهم نال شيئا من قربهم بقدر ما نال من أوصافهم المقربة لهم إلى اللّه تعالى ، ( ولهم ) أي للملائكة ( أيضا ترتيب وما منهم إلا وله مقام معلوم ) في بساط القرب وكلهم مقربون ودرجات قربهم متفاوتة ( وأعلاهم في رتبة القرب إسرافيل عليه السلام ) وهو صاحب الصور وقال المصنف في مشكاة الأنوار : قد انكشف لأرباب البصائر أن الأنوار الملكوتية إنما وجدت على الترتيب بحيث يقتبس بعضها من بعض ، وأن المقرب هو الأقرب إلى النور الأقصى ، فلا يبعد أن يكون رتبة إسرافيل فوق رتبة جبريل ، فإن فيهم الأقرب بقرب درجة من حضرة الربوبية التي هي منبع الأنوار كلها وأن فيهم الأدنى ، وبينهما درجات تستعصي على الإحصاء ، وإنما المعلوم كثرتهم وترتيبهم في مقاماتهم في صفوفهم وأنهم كما وصفوا به أنفسهم إذ قالوا :وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ[ الصافات : 164 - 166 ] ( وإنما علو درجتهم لأنهم في أنفسهم كرام بررة وقد أصلح اللّه بهم الأنبياء ) بايصال الوحي إليهم ( وهم ) أي الأنبياء ( أشرف مخلوق على وجه الأرض وتلي درجتهم درجة الأنبياء فإنهم في أنفسهم أخيار وقد هدى اللّه بهم سائر الخلق ) إلى ما فيه نجاتهم وعصمتهم ( وتمم بهم حكمته ) في الخلق ، ( وأعلاهم رتبة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم وعليهم إذ أكمل به الدين ) الذي ارتضاه ( وختم به النبيين ) والمرسلين كما يشير إلى كل منهما قوله تعالى :الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ[ المائدة : 3 ] وقوله تعالى :وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ[ الأحزاب : 40 ] ( ويليهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ) ورثوا منهم علما وحكمة ( فإنهم في أنفسهم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 152 | مرتضى الزبيدي