فللسابق خاصية السبق ، فالعدل هو أن يكون أولى به وعبّر الفقهاء عن هذا الترجيح بالملك ، وهو مجاز محض ، إذ لا ملك إلا لملك الملوك الذي له ما في السماوات والأرض ، وكيف يكون العبد مالكا وهو في نفسه ليس يملك نفسه بل هو ملك غيره ، نعم الخلق عباد اللّه والأرض مائدة اللّه وقد أذن لهم في الأكل من مائدته بقدر حاجتهم ، كالملك ينصب مائدة لعبيده ، فمن أخذ لقمة بيمينه واحتوت عليه براجمه فجاء عبد آخر وأراد انتزاعها من يده لم يمكن منه لا لأن اللقمة صارت ملكا له بالأخذ باليد ، فإن اليد وصاحب اليد أيضا مملوك ولكن إذا كانت كل لقمة بعينها لا تفي بحاجة كل العبيد فالعدل في التخصيص عند حصول ضرب من الترجيح والإختصاص ، والأخذ اختصاص ينفرد به العبد فمنع من لا يدلي بذلك الإختصاص عن مزاحمته ، فهكذا ينبغي أن تفهم أمر اللّه في عباده ، ولذلك نقول : من أخذ من أموال الدنيا أكثر من حاجته وكنزه وأمسكه وفي عباد اللّه من يحتاج إليه فهو ظالم ، وهو من الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللّه ، وإنما سبيل اللّه طاعته وزاد الخلق في طاعته
شرح
إلى أخذه فللسابق خاصية السبق ، فالعدل أن يكون هو أولى به ) وهو ترجيح في حقه ( وعبّر الفقهاء عن هذا الترجيح بالملك وهو ) في الحقيقة ( مجاز محض ) أي خالص لا شوب للحقيقة فيه ، ( إذ لا ملك ) حقيقة ( إلا لملك الملوك ) جل شأنه ( الذي له ما في السماوات والأرض ) وما في يد العبد فهو مستعار مردود ، ( وكيف يكون العبد مالكا و ) هو ( في نفسه ليس يملك نفسه بل هو ملك غيره ) لأن وجوده مستعار من وجود غيره وماله الوجود من غيره موجود مستعار لا قوام له بنفسه ، بل إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض ، وإنما وجوده من حيث نسبته إلى غيره وذلك ليس بوجود حقيقي ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض . ( نعم الخلق عباد اللّه والأرض مائدة اللّه ) المفروشة ، ( وقد أذن لهم في الأكل من مائدته بقدر حاجتهم كالملك ينصب مائدته لعبيده ) فهم شركاء فيها ، ( فمن أخذ لقمة بيمينه واحتوت عليها براجمه ) أي مفاصل أصابعه ( فجاء عبد آخر وأراد انتزاعها من يده لم يمكن منه لا لأن اللقمة صارت ملكا له بالأخذ باليد ، فإن اليد وصاحب اليد أيضا مملوك ، ولكن إذا كانت لقمة بعينها لا تفي بحاجة كل العبيد ، فالعدل في التخصيص عند حصول ضرب من الترجيح والاختصاص والأخذ اختصاص ينفرد به العبد فمنع من لا يدلي ) أي لا يتقرب ( بذلك الاختصاص عن مزاحمته ) وانتزاع اللقمة منه . ( فهكذا ينبغي أن تفهم أمر اللّه في عباده ، ولذلك نقول : من أخذ من أموال الدنيا أكثر من حاجته وكنزه وأمسكه ) ولم ينفقه ، ( وفي عباد اللّه من يحتاج إليه فهو ظالم ) ولو أدى زكاة ما كنزه وهو أحد الوجوه في الآية ( وهو من الذين ) قال اللّه تعالى في حقهم :وَالَّذِينَ ( يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ( وإنما سبيل اللّه طاعته وزاد الخلق