لم يقصد التقرب إلى الملك بخدمته بل قصد بذلك عبدا من عبيده ، فأي استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة اللّه تعالى مراءاة عبد ضعيف لا يملك له ضرا ولا نفعا ؟ وهل ذلك إلا لأنه يظن أن ذلك العبد أقدر على تحصيل أغراضه من اللّه ؟ وأنه أولى بالتقرب إليه من اللّه إذ آثره على ملك الملوك فجعله مقصود عبادته ؟ وأي استهزاء يزيد على رفع العبد فوق المولى ؟ فهذا من كبائر المهلكات ولهذا سماه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الشرك الأصغر .
نعم بعض درجات الرياء أشد من بعض - كما سيأتي بيانه في درجات الرياء إن شاء اللّه تعالى - ولا يخلو شيء منه عن اثم غليظ أو خفيف بحسب ما به المراءاة ولو لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد ويركع لغير اللّه لكان فيه كفاية ، فإنه وإن لم يقصد التقرب إلى اللّه
شرح
الملك أو غلام من غلمانه ، فإن هذا استهزاء بالملك إذ لم يقصد التقرب إلى الملك بخدمته بل قصد به عبدا من عبيده ، فأي استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة اللّه مراعاة عبد ضعيف لا يملك ضرا ولا نفعا وهل ذلك إلا أنه ظن أن ذلك العبد أقدر على تحصيل اغراضه من اللّه تعالى ؟ وأنه أولى بالتقرب إليه من اللّه تعالى إذ آثره ) أي اختاره ( على ملك الملوك ) جل جلاله ( فجعله مقصود عبادته ؟ وأي استهزاء يزيد على رفع العبد فوق المولى ) السيد المالك ؟ ( فهذا من كبائر المهلكات ولذلك سماه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « الشرك الأصغر » ) قال العراقي : رواه أحمد من حديث محمود بن لبيد وقد تقدم . ورواه الطبراني من رواية محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج فجعله من مسند رافع وقد تقدم قريبا ، وللحاكم وصحح إسناده من حديث شداد بن أوس : كنا نعد على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن الرياء الشرك الأصغر ا ه .
قلت : حديث شداد بن أوس هذا رواه كذلك ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص ، وابن مردويه في التفسير ، والبيهقي في الشعب ولفظهم : كنا نعد الرياء على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الشرك الأصغر .
وأما لفظ حديث محمود بن لبيد ، ورافع بن خديج « إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر » الحديث وقد تقدم .
وأخرج ابن أبي شيبة من حديث محمود بن لبيد « إياكم وشرك السرائر » قالوا : وما شرك السرائر ؟
قال : « أن يقوم أحدكم يريد صلاته جاهدا لينظر الناس إليه فذلك شرك السرائر » . ولابن مردويه من حديث أبي هريرة « اتقوا الشرك الأصغر » . قالوا وما الشرك الأصغر ؟ قال : « الرياء » الحديث ، ورواه أيضا كذلك الأصفهاني في الترغيب والترهيب .
( نعم بعض درجات الرياء أشد من بعض كما سيأتي بيانه ) قريبا بعد هذا الفصل ( في درجات الرياء ولا يخلو شيء منه عن إثم غليظ أو خفيف بحسب ما به المراءاة ولو لم يكن في الرياء إلا أنه يركع ويسجد لغير اللّه لكان فيه كفاية ، لأنه إذا لم يقصد التقريب إلى اللّه