تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
من المال وهو ما يحتاج إليه الإنسان محمود فكسب قليل من الجاه وهو ما يسلم به عن الآفات أيضا محمود ، وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام حيث قال :
إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
[ يوسف : 55 ] وكما أن المال فيه سم ناقع ودرياق نافع فكذلك الجاه ، وكما أن كثير المال يلهي ويطغي وينسي ذكر اللّه والدار الآخرة فكذلك كثير الجاه بل أشد ، وفتنة الجاه أعظم من فتنة المال ، وكما أنا لا نقول تملك المال الكثير حرام فلا نقول أيضا تملك القلوب الكثيرة حرام إلا إذا حملته كثرة المال وكثرة الجاه على مباشرة ما لا يجوز نعم انصراف الهم إلى سعة الجاه مبدأ الشرور كانصراف الهم إلى كثرة المال ، ولا يقدر محب الجاه والمال على ترك معاصي القلب واللسان وغيرها ، وأما سعة الجاه من غير حرص منك على طلبه ومن غير اغتمام بزواله إن زال فلا ضرر فيه ، فلا جاه أوسع من جاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وجاه الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من علماء الدين ، ولكن انصراف الهم إلى طلب الجاه نقصان في الدين ولا يوصف بالتحريم ، فعلى هذا نقول : تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس مراءاة وهو لبس بحرام لأنه ليس رياء بالعبادة بل بالدنيا ، وقس على هذا كل تجمل للناس وتزين لهم . والدليل عليه ما روي عن عائشة رضي اللّه عنها : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أراد أن يخرج يوما إلى الصحابة فكان
شرح
الإنسان محمود فكذلك كسب قليل من الجاه وهو ما يسلم به من الآفات محمود ) ، ولكن من غير حرص على طلبه ومن غير اغتمام على زواله بلا ضرر فيه ، ( وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام ) من عزيز مصر ( حيث قال ) له :اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ ( إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ )كما تقدم قريبا ، ( وكما أن المال فيه ) من وجه ( سم ناقع و ) من وجه ( درياق نافع ، فكذلك الجاه . وكما أن كثير المال يلهي ) عن الطاعات ( ويطغي وينسي ذكر اللّه تعالى والدار والآخرة فكذلك كثير الجاه بل أشد ، لأن فتنة الجاه أعظم من فتنة المال ، وكما أنا لا نقول تملك المال الكثير حرام فلا نقول : تملك القلوب الكثيرة حرام إلا إذا حمله كثرة المال وكثرة الجاه على مباشرة ما لا يجوز ) شرعا . ( نعم انصراف الهم إلى سعة الجاه مبدأ الشرور كإنصراف الهم إلى كثرة المال ، ولا يقدر محب المال والجاه على ترك معاصي القلب واللسان وغيرها ، فأما سعة الجاه من غير حرص منك على طلبه ومن غير اغتمام ) منك ( بزواله إن زال فلا ضرر فيه ، فلا جاه أوسع من جاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وجاه الخلفاء الراشدين ) من بعده ( ومن بعدهم من علماء الدين ، ولكن انصراف الهم إلى طلب الجاه نقصان في الدين ولا يوصف بالتحريم ، فعلى هذا نقول : تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس مراءاة ) لغة ( وهو ليس بحرام لأنه ليس رياء بالعبادة بل بالدنيا ، وقس على هذا كل تجمل للناس وتزين لهم ) في المسكن والمركب . ( والدليل عليه ما روي عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أراد أن يخرج
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 93 | مرتضى الزبيدي