تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 629

مساهمون:

ص٦٢٩
الشرائع كلها ، وهذه ثلاثة أمور لا يتصوّر أن يختلف فيها الملل ، فلا يجوز أن اللّه تعالى يبعث نبيا يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله ؛ أو يأمرهم بإهلاك النفوس وإهلاك الأموال ، فحصل من هذا أن الكبائر على ثلاث مراتب : الأولى : ما يمنع من معرفة اللّه تعالى ومعرفة رسله وهو الكفر ، فلا كبيرة فوق الكفر ، إذ الحجاب بين اللّه وبين العبد هو الجهل ، والوسيلة المقربة له إليه هو العلم والمعرفة ، وقربه بقدر معرفته ، وبعده بقدر جهله . ويتلو الجهل الذي يسمى كفرا الأمن من مكر اللّه والقنوط من رحمته ، فإن هذا أيضا عين الجهل ، فمن عرف اللّه لم يتصوّر أن يكون آمنا ولا أن يكون آيسا ، ويتلو هذه الرتبة : البدع كلها المتعلقة بذات اللّه وصفاته وأفعاله وبعضها أشد من بعض ، وتفاوتها على حسب تفاوت الجهل بها وعلى حسب
شرح
ضروري في مقصود الشرائع كلها ، وهذه ثلاثة أمور لا يتصور أن تختلف فيها الملل ) بأسرها ، ( فلا يجوز أن اللّه تعالى يبعث نبيا يريد ببعثته إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم ، ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله ، أو يأمرهم بإهلاك النفوس وإهلاك الأموال ، فحصل من هذا أن معرفة الكبائر على ثلاث مراتب . الأولى : ما يمنع من معرفة اللّه تعالى ومعرفة رسله وهو الكفر فلا كبيرة فوق الكفر إذا الحجاب بين اللّه وبين العبد هو الجهل ، والوسيلة المقربة إليه هو العلم والمعرفة وقربه ) من ربه ( بقدر معرفته ) وعلمه ، ( وبعده ) منه ( بقدر جهله ) فمن قوي جهله كان في المرتبة الأقصى من البعد ، ومن قوي علمه كان في المرتبة الأعلى من القرب ، ( ويتلو الجهل الذي يسمى كفرا الأمن من مكر اللّه ) بالإسترسال في المعاصي مع الإتكال على الرحمة ( والقنوط من رحمته ) وهو بعينه اليأس من رحمته وسوء الظن باللّه تعالى لتلازم الثلاثة في معنى واحد ، لكن الجلال البلقيني عدّ كل واحدة كبيرة مستقلة ، ومن ثم قال أبو زرعة العراقي : وفي معنى اليأس القنوط والظاهر أنه أبلغ منه للترقي إليه في قوله تعالى :وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ[ فصلت : 49 ] ا ه . والظاهر أيضا أن سوء الظن أبلغ منهما لأنه يأس وقنوط ، وزيادة التجوير على اللّه تعالى بما لا يليق بجوده وكرمه . وفي حديث ابن عباس أنه صلّى اللّه عليه وسلم سئل عن الكبائر فقال : « الشرك باللّه واليأس من روح اللّه والأمن من مكر اللّه » وخرّجه البزار ، وابن أبي حاتم ، وأخرج ابن المنذر عن علي رضي اللّه عنه قال : « أكبر الكبائر الأمن من مكر اللّه واليأس من روح اللّه والقنوط من رحمة اللّه » . وأخرج ابن جرير عن أبي سعيد نحوه . ( فإن هذا أيضا عين الجهل فمن عرف اللّه ) بصفاته الحسنى ( لم يتصور أن يكون آمنا ) من مكره وغضبه ، ( ولا يكون آيسا ) من رحمته ، ( ويتلو هذه الرتبة البدع كلها المتعلقة بذات اللّه وصفاته وأفعاله ، وبعضها أشد من بعض ،