تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
لمن يريد أن يكون إنسانا كاملا ينتفع بإنسانيته ويتوصل بها إلى درجات العلا في الدنيا فأما من قنع بأصل الحياة ورضي أن يكون كلحم على وضم وكخرقة مطروحة فليس يشترط لمثل هذه الحياة عين ويد ورجل ، فأصل الواجبات الداخلة في فتوى العامة لا يوصل إلا إلى أصل النجاة ، وأصل النجاة كأصل الحياة ، وما وراء أصل النجاة من السعادات التي بها تنتهي الحياة يجري مجرى الأعضاء والآلات التي بها تتهيأ الحياة وفيه سعى الأنبياء والأولياء والعلماء والأمثل فالأمثل ، وعليه كان حرصهم ، وحواليه كان تطوافهم ، ولأجله كان رفضهم لملاذ الدنيا بالكلية ، حتى انتهى عيسى عليه السلام إلى أن توسد حجرا في منامه ، فجاء إليه الشيطان وقال : أما تركت الدنيا للآخرة فقال : نعم ، وما الذي حدث ؟ فقال : توسدك لهذا الحجر تنعم في الدنيا فلم لا تضع رأسك على الأرض ؟ فرمى عيسى عليه السلام بالحجر ووضع رأسه على الأرض ، وكان رميه للحجر توبة عن ذلك التنعم . أفترى أن عيسى عليه السلام لم يعلم أن وضع الرأس على
شرح
يكون إنسانا كاملا ينتفع بإنسانيته ويتوصل بها إلى درجات العلى في الدنيا ، فأما من قنع بأصل الحياة ورضي بأن يكون كلحم على وضم ) وهو محركة ما وقيت به اللحم من الأرض كذا في المصباح . وقال صاحب الأساس : هو كل ما وقى به الأرض من خشبة أو خصفة أو غيرهما ، ووضمته وضما إذا وضعته على الوضم ، وروي على العكس ، ويقال للذليل هو لحم على وضم ، ( وكخرقة مطروحة ) على الأرض أي متبذلة ، ( فليس يشترط لمثل هذه الحياة عين ويد ورجل ، فأصل الواجبات الداخلة في فتوى العامة لا توصل إلا إلى أصل النجاة ، وأصل النجاة كأصل الحياة وما وراء أصل النجاة من السعادات التي بها أصل الحياة تجري مجرى الأعضاء والآلات بها تتهيأ الحياة ، وفي ذلك سعى الأنبياء ) عليهم السلام ( والأولياء والعلماء والأمثل فالأمثل ) من المتبعين على أقدامهم ، ( وعليه كان حرصهم وحواليه ) بفتح اللام وسكون التحتية ( كان تطوافهم ، ولأجله كان رفضهم لملاذ الدنيا بالكلية حتى انتهى عيسى عليه السلام ) في كمال زهده ( إلى أن توسد يوما حجرا في منامه ) أي وضع رأسه على حجر لينام عليه وجعله بمنزلة الوسادة ، ( فجاءه الشيطان وقال : أما كنت تركت الدنيا للآخرة ؟ فقال : نعم وما الذي حدث ؟ قال : توسدك لهذا الحجر تنعم في الدنيا فلم لا تضع رأسك على الأرض ؟ فرمى عيسى عليه السلام الحجر ووضع رأسه على الأرض ) أخرجه ابن عساكر عن الحسن البصري أنه مرّ إبليس يوما بعيسى عليه السلام وهو متوسد حجرا وقد وجد لذة النوم فقال له إبليس : يا عيسى إنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا فهذا الحجر من عرض الدنيا ، فقام عيسى عليه السلام فأخذ الحجر فرمى به وقال : هذا لك مع الدنيا . ( وكان رميه الحجر توبة عن ذلك التنعم افترى أن عيسى عليه السلام لم يعلم أن وضع