تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
بيان أن وجوب التوبة عام في الأشخاص والأحوال فلا ينفك عنه أحد البتة : اعلم أن ظاهر الكتاب قد دل على هذا إذ قال تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[ النور : 31 ] فعمم الخطاب . ونور البصيرة أيضا يرشد إليه ، إذ معنى التوبة الرجوع عن الطريق المبعد عن اللّه المقرب إلى الشيطان ، ولا يتصور ذلك إلا من عاقل ، ولا تكمل غريزة العقل إلا بعد كمال غريزة الشهوة والغضب وسائر
شرح

بيان أن وجوب التوبة عام في الأشخاص والأحوال :

فلا ينفك أحد عنه البتة في حال من أحواله ، ولذا كانت من أفضل مقامات السالكين لأنها أول المنازل وأوسطها وآخرها ، فلا يفارقها العبد أبدا ولا يزال فيها إلى الممات ، وإن ارتحل السالك منها إلى منزل آخر ارتحل به وترك فهي بداية للعبد ونهايته وحاجته إليها في النهاية ضرورية كما حاجته إليها في البداية كذلك ، ولذلك قال المصنف رحمه اللّه تعالى : ( أعلم أن ظاهر الكتاب قد دل على هذا ) أي على عموم وجوبها في الأشخاص والأحوال ، ( إذ قال عز وجل ) مخاطبا أهل الإيمان وخيار خلقه :( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ) لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَيعني أيها المؤمنون الصابرون المجاهدون ، ( فعمم الخطاب ) وأمرهم أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم ومجاهدتهم ، وقد استدل المصنف رحمه اللّه تعالى على مقصوده بهذه الآية ، وتكلم على ذلك بما سنعرضه عليك إجمالا لتدرك منه تفصيله الذي لا يستنبط منه الأصل المقصود إلا بعد تأمل شديد وهو أن حقيقة التوبة هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة وهذا موجب للنجاة وهذا هو الوجوب المبني على أصل الإيمان ورجوع العبد من الشواغل الملهية إلى اللّه ومن الحسن إلى الأحسن هو أيضا توبة ورجوع ، وبه كمال السعادة في الآخرة ، وهذا هو الواجب المبني على كمال الإيمان ، فمن أراد كمال الإيمان حتى ينال به السعادة الكبرى في الدنيا بمعرفته ومشاهدته في الآخرة بالنظر إلى وجهه أوجبنا عليه ذلك لإرادته لأنه من لازم الكمال ، كمن أراد النافلة فإنا نوجب عليه الطهارة قبل الدخول فيها . هذا حاصل ما سيذكره المصنف ، فلنعد إلى شرحه فقال : ( ونور البصيرة أيضا يرشد إليه إذ معنى التوبة الرجوع عن الطريق المبعد عن اللّه تعالى المقرب إلى الشيطان ) وهذا مبني على أن التوبة مركبة من علم وحال وعمل ، وأنها مخصوصة بنوع الإنسان لتركبه من طرفي مشابهة الملائكة والبهائم ، فطباع البهائم شر كله وطباع الملائكة خير كله فبميله إلى صفة البهائم يبعد عن ربه وبميله إلى صفة الملائكة مقرب من ربه لأن الملائكة قريبون من اللّه تعالى والقريب إلى القريب قريب كما تقدمت الإشارة إليه . ( ولا يتصور ذلك إلا من عاقل ) أي من موصوف بصفة العقل ، ( ولا تكمل غريزة العقل إلا بعد كمال غريزة الشهوة والغضب وسائر الصفات المذمومة التي هي وسائل الشيطان إلى إغواء
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 581 | مرتضى الزبيدي