تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
وفرقة أخرى : زهدت في المال وقنعت من اللباس والطعام بالدون ومن المسكن بالمساجد ، وظنت أنها أدركت رتبة الزهاد وهو مع ذلك راغب في الرئاسة والجاه إما بالعلم أو بالوعظ أو بمجرد الزهد ، فقد ترك أهون الأمرين وباء بأعظم المهلكين ، فإن الجاه أعظم من المال ولو ترك الجاه وأخذ المال كان إلى السلامة أقرب ، فهذا مغرور إذ ظن أنه من الزهاد في الدنيا وهو لم يفهم معنى الدنيا ولم يدر أن منتهى لذاتها الرئاسة وأن الراغب فيها لا بدّ وأن يكون منافقا وحسودا ومتكبرا ومرائيا ومتصفا بجميع خبائث الأخلاق . نعم وقد يترك الرئاسة ويؤثر الخلوة والعزلة وهو مع ذلك مغرور إذ يتطاول بذلك على الأغنياء ويخشن معهم الكلام وينظر إليهم بعين الاستحقار ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم ، ويعجب بعمله ويتصف بجملة من خبائث القلوب وهو لا يدري ، وربما يعطي المال فلا يأخذه خيفة من أن يقال بطل زهده ، ولو قيل له : إنه حلال فخذه في الظاهر ورده في الخفية لم تسمح به نفسه خوفا من ذم الناس فهو راغب في حمد الناس وهو من ألذ أبواب الدنيا ويرى نفسه أنه زاهد في الدنيا وهو مغرور ، ومع ذلك فربما لا يخلو من توقير الأغنياء وتقديمهم على الفقراء والميل إلى المريدين له والمثنين عليه
شرح
( وفرقة أخرى : زهدت في المال وقنعت من اللباس والطعام بالدون ) الحقير منهما ( ومن المسكن بالمساجد ) والزوايا والخانات ، ( وظنت أنها ) بذلك ( أدركت رتبة الزهاد وهو مع ذلك راغب في الرئاسة والجاه إما بالعلم أو بالوعظ ) أو بحلقة الذكر ( أو بمجرد الزهد ، فقد ترك ) هذا ( أهون الأمرين وباء بأعظم المهلكين ، فان الجاه أعظم من المال ) كما سبقت الإشارة إليه في كتاب الجاه ، ( ولو ترك الجاه وأخذ المال كان إلى السلامة أقرب ، فهذا مغرور إذ ظن أنه من الزهاد في الدنيا وهو لم يفهم معنى الدنيا ولم يدر أن منتهى لذاتها الرئاسة وأن الراغب فيها لا بدّ وأن يكون منافقا ) بأن يخالف باطنه ظاهره إبقاء للجاه ( وحسودا ) يتمنى زوال نعمة الغير ( ومتكبرا ) على أقرانه ( ومراثيا ) في أحواله ( ومتصفا بجميع خبائث الأخلاق . نعم ، وقد يترك الرئاسة ويؤثر الخلوة والعزلة ) عن الناس ( وهو مع ذلك مغرور إذ يتطاول بذلك على الأغنياء ويخشن معهم الكلام وينظر إليهم بعين الاستحقار ، ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم ، ويعجب بعمله ويتصف بجملة من خبائث القلوب وهو لا يدري ) وهو غرور ، ( وربما يعطى المال فلا يأخذه خيفة من أن يقال بطل زهده ) وأقبل على الدنيا ( ولو قيل له : إنه حلال فخذه في الظاهر وردّه في الباطن لم تسمح به نفسه خوفا من ذم الناس ، فهو ) إذا ( راغب في حمد الناس ) وثنائهم عليه ( وهو من ألذ أبواب الدنيا ، ويرى نفسه أنه زاهد في الدنيا وهو مغرور مع ذلك ، فربما لا يخلو ) حاله ( عن توقير الأغنياء ) إذا حضروا ( وتقديمهم على الفقراء ) في الجلوس والخطاب