تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
مذكرا لما سمعته وتأمن فيه من التغيير والتحريف ، فإذا لم تحفظ لا بالقلب ولا بالكتاب وجرى على سمعك صوت غفل وفارقت المجلس ثم رأيت نسخة لذلك الشيخ وجوّزت أن يكون ما فيه مغيرا أو يفارق حرف منه للنسخة التي سمعتها لم يجز لك أن تقول : سمعت هذا الكتاب فإنك لا تدري لعلك لم تسمع ما فيه بل سمعت شيئا يخالف ما فيه ولو في كلمة ، فإذا لم يكن معك حفظ بقلبك ولا نسخة صحيحة استوثقت عليها لتقابل بها فمن أين تعلم انك سمعت ذلك ؟ وقد قال اللّه تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ
شرح
بكتابتك فيكون كتابك مذكرا لما سمعته وتأمن فيه من التغيير ) والإزالة ( والتحريف ، فإذا لم تحفظ بالقلب ولا بالكتاب وجرى على سمعك صوت غفل ) بضم فسكون أي مبهم لا يدري حقيقته ، ( وفارقت المجلس ثم رأيت نسخة لذلك الشيخ ) الذي وقع السماع عليه للكتاب المذكور من غير تلك النسخة ، ( وجوّزت أن يكون ما فيه مغيرا ) مزالا عن جهة الصواب ( أو يفارق حرفا منه للنسخة التي سمعتها ) بعينها ، ( لم يجز لك أن تقول سمعت هذا الكتاب ) على الشيخ الفلاني ، ( فإنك لا تدري لعلك لم تسمع ما فيه بل سمعت شيئا يخالف ما فيه ولو فيه كلمة ) واحدة ، ( فإذا لم يكن معك حفظ بقلبك ولا نسخة صحيحة استوثقت عليها لتقابل بها ) وقت الأداء ، ( فمن أين تعلم أنك سمعت ذلك ، وقد قال اللّه عز وجل :وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )؟ وقال ابن الأثير في مقدمة كتابه جامع الأصول : الضبط عبارة عن احتياط في باب العلم وله طرفان : العلم عند السماع ، والحفظ بعد العلم عند التكلم ، حتى إذا سمع ولم يعلم لم يكن معتبرا كما لو سمع صياحا لا معنى له ، وإذا لم يفهم اللفظ بمعناه لم يكن ضبطا ، وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع لم يكن ضبطا . قال : ثم الضبط نوعان : ظاهر وباطن ، فالظاهر ضبط معناه من حيث اللفظ ، والباطن ضبط معناه من حيث تعلق الحكم الشرعي به وهو الفقه ، ومطلق الضبط الذي هو شرط في الراوي هو الضبط ظاهرا عند الأكثر لأنه يجوز نقل الخبر بالمعنى فتحلقه تهمة تبديل المعنى بروايته قبل الحفظ أو قبل العلم حين يسمع ، ولهذا المعنى قلت الرواية عن أكثر الصحابة هذا المعنى . قال : وهذا الشرط وان كان على ما بينا فإن أصحاب الحديث قلما يعتبرونه في حق الطفل دون الغفل فإنه متى صح عندهم سماع الطفل وحضوره أجازوا روايته ، والأول أحوط للدين وأولى ا ه . قال السخاوي : وحاصله اشتراط كون سماعه عند التحمل تاما فيخرج من سمع صوتا غفلا ، وكونه حين التأدية عارفا بمدلولات الألفاظ ولا انحصار له في الثاني عند الجمهور لاكتفائهم بضبط كتابه ولا في الأوّل عند المتأخرين خاصة لاعتدادهم من لا يفهم العربي أصلا . وقوله : لتعذر هذا المعنى عند ذلك الصحابي نفسه لخوفه من عدم حفظه وعدم تمكنه في الإتيان بكل المعنى ، وهذا منهم رضي اللّه عنهم تورع واحتياط ، ولقد كان بعضهم تأخذه الرعدة إذا روي ويقول : أو نحو ذلك أو قريب من ذا وما أشبه ذلك .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 478 | مرتضى الزبيدي