بمكان ، وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا يعذب اللّه مثلهم ، بل يقبل في الخلق شفاعتهم وأنه لا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم لكرامتهم على اللّه وهم مغرورون ، فإنهم لو نظروا بعين البصيرة علموا أن العلم علمان : علم معاملة وعلم مكاشفة ، وهو العلم باللّه وبصفاته المسمى بالعادة علم المعرفة .
فأما العلم بالمعاملة كمعرفة الحلال والحرام ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة وكيفية علاجها والفرار منها ، فهي علوم لا تراد إلا للعمل ولولا الحاجة إلى العمل لم يكن لهذه العلوم قيمة ، وكل علم يراد للعمل فلا قيمة له دون العمل . فمثال هذا كمريض به علة لا يزيلها إلا دواء مركب من أخلاط كثيرة لا يعرفها إلّا حذاق الأطباء فيسعى في طلب الطبيب بعد أن هاجر عن وطنه حتى عثر على طبيب حاذق فعلمه الدواء وفصل له الأخلاط وأنواعها ومقاديرها ومعادنها التي منها تجتلب ، وعلمه كيفية دق كل واحد منها وكيفية خلطه وعجنه ، فتعلم ذلك وكتب منه نسخة حسنة بخط حسن ورجع إلى بيته وهو يكررها ويعلمها المرضى ولم يشتغل بشربها واستعمالها أفترى
شرح
عن المعاصي وإلزامها الطاعات ) الإلهية ( واغتروا بعلمهم وظنوا أنهم عند اللّه بمكان ) ومنزلة ، ( وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا يعذب اللّه مثلهم ) ولا يؤاخذهم بما عملوا ، ( بل يقبل في الخلق شفاعتهم وأنه لا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم لكرامتهم على اللّه ) وشرفهم لديه ( وهم ) في الحقيقة ( مغرورون ، فإنهم لو نظروا بعين البصيرة علموا أن العلم علمان : علم معاملة وعلم مكشفة . وهو ) أي علم المكاشفة كما سبق في كتاب العلم ( العلم باللّه وبصفاته المسمى بالعادة علم المعرفة ) .
( فأما العلم بالمعاملة كمعرفة الحلال والحرام ومعرفة أخلاق النفس المذمومة ) منها ( والمحمودة وكيفية علاجها والفرار منها ، فهي علوم لا تراد إلا للعمل ) لا لذواتها ( ولولا الحاجة إلى العمل لم تكن لهذه العلوم قيمة ) ولا قدر ، ( وكل علم ) لا ( يراد ) إلا ( للعمل فلا قيمة له دون العمل ) وتفهم ذلك بمثال . ( فمثال ذلك كمريض به علة لا يزيلها إلا دواء مركب من أخلاط كثيرة ) أي أجزاء مفردة ( لا يعرفها إلا حذّاق الأطباء ) ومهرتهم ( فسعى في طلب الطبيب بعد أن هاجر وطنه ) وفارق مألوفه ( حتى عثر على طبيب حاذق ) فشكا له حاله وذكر له العلة ( فعلمه الدواء ) لها ( وفصل لها الأخلاط ) التي يركب منها ذلك الدواء ( وأنواعها ومقاديرها ) وموازينها ( ومعادنها التي منها تجتلب ) تلك الأخلاط ، ( وعلمه كيفية دق كل واحد منها وكيفية خلطه وعجنه . فتعلم ذلك منه وكتب منه نسخة حسنة بخط حسن ) مقبول ( ورجع إلى بيته وهو يكررها ويقرؤها ويعلمها المرضى ولم يشتغل بشربها واستعمالها . أفترى أن ذلك يغنى عنه من مرضه شيئا ؟ هيهات !