عبد آكل بالأرض وألبس الصوف وأعقل البعير وألعق أصابعي وأجيب دعوة المملوك فمن رغب عن سنتي فليس مني » . وروي أن أبا موسى الأشعري ، قيل له أن أقواما يتخلفون عن الجمعة بسبب ثيابهم ، فلبس عباءة فصلى فيها بالناس . وهذه مواضع يجتمع فيها الرياء والكبر فما يختص بالملأ فهو الرياء ، وما يكون في الخلوة فهو الكبر ، فاعرف ! فإن من لا يعرف الشر لا يتقيه ، ومن لا يدرك المرض لا يداويه .
شرح
أو أكل مع ما ملكت يمينه فليس في قلبه إن شاء اللّه الكبر » . وروى ابن منده ، وأبو نعيم من رواية حكيم بن حجدم عن أبيه رفعه بسند ضعيف : « من حلب شاته ورقع قميصه وخصف نعله وواكل خادمه وحمل من سوقه فقد برئ من الكبر » . وروى تمام في فوائده ، وابن عساكر من حديث ابن عمر : « من لبس الصوف وانتعل المخصوف وركب حماره وحلب شاته وأكل معه عياله فقد نحى اللّه عنه الكبر » الحديث وسيأتي بقيته بعد هذا الحديث .
( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما أنا عبد آكل بالأرض وألبس الصوف وأعتقل البعير وألعق أصابعي وأجيب دعوة المملوك فمن رغب عن سنتي فليس مني » ) قال العراقي : تقدم بعضه ولم أجد بقيته .
قلت : كأنه يشير إلى حديث البراء وأنس : « إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد » وقد تقدم ذكره . وروى تمام في فوائده ، وابن عساكر من حديث ابن عمر « من لبس الصوف » الحديث وفيه « أنا عبد ابن عبد أجلس جلسة العبد وآكل أكلة العبد إني قد أوحي إليّ أن تواضعوا ولا يبغي أحد على أحد » وروى ابن عساكر من حديث أبي أيوب : « كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يركب الحمار ويخصف النعل ويرقع القميص ويلبس الصوف ويقول : من رغب عن سنتي فليس مني » وروى الحاكم من حديث أنس : « كان يردف خلفه ويضع طعامه على الأرض ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار » وحديث لعق الأصبع تقدم في كتاب أخلاق النبوّة .
( وروي أن أبا موسى الأشعري ) رضي اللّه عنه ( فقيل له : أن أقواما يتخلفون عن ) صلاة ( الجمعة ) أي بالبصرة ( بسبب ثيابهم ) أي بسبب إبتذالها وكأنهم يستحيون أن يحضروا في تلك الثياب . ( فلبس عباءة ) وهي كساء صوف على هيئة القميص ( فصلّى فيها بالناس ) . أخرجه أبو نعيم في الحلية ، ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، حدثنا عبد اللّه بن أحمد ، حدثنا أبي ، حدثنا عبد الصمد ، حدثنا أبو هلال ، حدثنا قتادة أن أبا موسى بلغه أن ناسا يمنعهم من الجمعة أن لا ثياب لهم فلبس عباءة ثم خرج فصلى بالناس . ( وهذه مواضع يجتمع فيها الرياء والكبر فما يختص بالملأ فهو الرياء ، وما يكون في الخلوة فهو الكبر ، فاعرف ) وليميز بينهما ثم يداوي كلا منهما بما تقدم من ذكر الأجزاء المركبة من العلم والعمل ، ( فإن من لا يعرف الشر لا يتقيه ومن لا يدرك المرض لا يداويه ) ، فمعرفة الشر من حيث أنه شر لازم كمعرفة المرض فإنه إذا وقع فيه يعرف كيف يتخلص منه ، واللّه الموفق .