تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
المملوك الضعيف العاجز الذي لا يقدر على شيء فمن أين يليق بحاله الكبر ؟ فمهما تكبر العبد فقد نازع اللّه تعالى في صفة لا تليق إلا بجلاله ، ومثاله : أن يأخذ الغلام قلنسوة الملك فيضعها على رأسه ويجلس على سريره ، فما أعظم استحقاقه للمقت وما أعظم تهدفه للخزي والنكال ! وما أشد استجراءه على مولاه وما أقبح ما تعاطاه ! وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى : « العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته » . أي إنه خاص صفتي ولا يليق إلا بي ، والمنازع فيه منازع في صفة من صفاتي ، وإذا كان الكبر على عباده لا يليق إلا به فمن تكبر على عباده فقد جنى عليه ، إذ الذي يسترذل خواص غلمان الملك ويستخدمهم ويترفع عليهم ويستأثر بما حق الملك أن يستأثر به منهم فهو منازع له في بعض أمره ، وإن لم تبلغ درجته درجة من أراد الجلوس على سريره والاستبداد بملكه ، فالخلق كلهم عباد اللّه وله العظمة والكبرياء عليهم ، فمن تكبر على عبد من عباد اللّه فقد نازع اللّه في حقه . نعم الفرق بين هذه المنازعة وبين منازعة نمروذ
شرح
بالملك القادر ) جل جلاله ، ( فأما العبد المملوك الضعيف ) في نفسه ( العاجز ) عن دفع الضر عنها ( الذي لا يقدر على شيء ) من خير أو شر ، ( فمن أين يليق به الكبر ؟ فمهما تكبر العبد فقد نازع اللّه تعالى في صفة لا تليق إلا بجلاله ) وعظمته ، ( ومثاله : أن يأخذ الغلام قلنسوة الملك ) أي تاجه الذي يضعه على رأسه وبه يتميز عن غيره ( فيضعها على رأسه ويجلس على سريره ) الذي من عادته أن يجلس عليه ، ( فما أعظم استحقاقه للمقت ) من الملك ( وما أعظم تهدفه للخزي ) والنكال ؟ ( وما أشد استجراءه ) أي جرأته ( على مولاه وما أقبح ما تعاطاه ، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى ) في الحديث القدسي : ( « العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته » ) روي ذلك من حديث أبي هريرة ، وقد تقدم الكلام عليه في أول هذا الكتاب قريبا . ( أي : أنه خاص صفتي ولا يليق إلا بي والمنازع فيه منازع في صفة من صفاتي ) وإنما مثلهما بالإزار والرداء إبرازا للمعقول في صورة المحسوس ، فكما لا يشارك الرجل في ردائه وإزاره لا يشارك الباري في هذين فإنه الكامل المنعم المنفرد بالبقاء وما سواه ناقص محتاج . وفي الحديث إشارة إلى أن العظمة أرفع من الكبرياء وأقرب إليه منها ، كما أن الإزار أقرب في اللباس من الرداء ، ( وإذا كان الكبر على عباده لا يليق إلا به فمن تكبر على عباده فقد جنى عليه إذ الذي يسترذل خواص غلمان الملك ويستخدمهم ويترفع عليهم ويستأثر بما هو حق الملك أن يستأثر به منهم ، فهو منازع له في بعض أمره ، وإن لم تبلغ درجته درجة من أراد الجلوس على سريره والاستبداد بملكه ) أي الاستقلال به ، ( فالخلق كلهم عباد اللّه وله العظمة ) التامة ( والكبرياء ) والعلو ( عليهم ، فمن تكبر على عبد من عباد اللّه فقد نازع اللّه في حقه ) فيكون سببا لقصم ظهره . ( نعم الفرق بين هذه المنازعة وبين