وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفا من أن يفوته عزه فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة منه . والأخلاق الذميمة متلازمة والبعض منها داع إلى البعض لا محالة . وشر أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم وقبول الحق والانقياد له ، وفيه وردت الآيات التي فيها ذم الكبر والمتكبرين . قال اللّه تعالى :
وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ
إلى قوله :
وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
[ الأنعام : 93 ] ، ثم قال :
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
[ غافر : 72 ] ثم أخبر أن أشد أهل النار عذابا أشدهم عتيا على اللّه تعالى فقال :
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا
[ مريم : 69 ] وقال تعالى :
فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
النحل : 22 ] وقال عز وجل :
يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
[ سبأ : 31 ] وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ
شرح
للتطويل ) في مثل هذا ( فما من خلق ذميم إلا وصاحب الكبر والعز مضطر إليه ليحفظ به عزه ، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفا من أن يفوت عزه فمن هذا ) المعنى ( لم يدخل الجنة في قلبه مثقال حبة منه ) كما أخبر به صلّى اللّه عليه وسلم ( والأخلاق الذميمة متلازمة والبعض منها داع إلى البعض ) وجار إليه ( لا محالة ) فكل منها أنواع . ( وشر أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم ) الذي هو المعرفة باللّه تعالى ، ( وقبول الحق والانقياد له ) وإليه الإشارة بما ورد في الخبر : « لا يتعلم العلم مستحي ولا متكبر » . ( وفيه وردت الآيات التي فيها ذم الكبر وذم المتكبرين ) من ذلك ( قال اللّه عز وجل :وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَثم قال( ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) *ونبه بذلك على أن الاستكبار والتكبر شيء واحد ، والاستكبار على وجهين : أحدهما : أن يتحرى الإنسان ويطلب أن يكون كبيرا وذلك متى كان على ما يجب وفي المكان الذي يجب وفي الوقت الذي يجب فمحمود ، والثاني :
أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له ، فهذا هو المذموم ، وعليه رد القرآن كذا القول ، وكقوله :أَبى وَاسْتَكْبَرَ[ البقرة : 34 ] وكقولهفَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ[ الأعراف :
133 ] ونبه بقوله :مُجْرِمِينَأن حاملهم على ذلك ما تقدم من جرمهم وإن ذلك دأبهم لا أنه شيء حادث منهم ، ( ثم أخبر أن أشد أهل النار عذابا أشدهم عتيا على اللّه تعالى فقال :ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ )أي جماعة وفرقةأَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّاقيل : العتي هنا مصدر ، وقيل : جمع عات وأصل العتو النبو عن الطاعة ، وقد عتا عتوّا وعتيا استكبر وجاوز الحد فهو عات وعتى والجمع عتى بالضم . ( وقال ) تعالى :( فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَوقال ) تعالى ( يقول :الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ )وكذا قوله تعالى :وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا