تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم لأصحابه يوما : ما لي لا أرى عليكم حلاوة العبادة » قالوا : وما حلاوة العبادة ؟ قال : « التواضع » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا رأيتم المتواضعين من أمتي فتواضعوا لهم وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم فإن ذلك مذلة لهم وصغار » . الآثار : قال عمر رضي اللّه عنه : إن العبد إذا تواضع للّه رفع اللّه حكمته وقال انتعش رفعك اللّه ، وإذا تكبر وعدا طوره رهصه اللّه في الأرض وقال اخسأ خسأك اللّه ، فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس حقير حتى أنه لأحقر عندهم من الخنزير وقال جرير بن عبد اللّه : انتهيت مرة إلى شجرة تحتها رجل نائم قد استظل بنطع له وقد
شرح
( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا رأيتم المتواضعين فتواضعوا لهم وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم فإن ذلك مذلة لهم وصغار » ) قال العراقي : غريب أيضا ، والمعنى أن المتكبر إذا تواضعت له تمادى في تيهه وإذا تكبرت عليه يمكن أن يتنبه ، ومن ثم قال الشافعي : ما تكبر علي متكبر مرتين وقال الزهري : التجبر على أبناء الدنيا أوثق عرى الإسلام ، وفي بعض الآثار التكبر على المتكبر صدقة ، ويؤيده ما تقدم من حديث ركب المصري طوبى لمن تواضع في غير منقصة وذل في غير مسكنة ، ومنه يؤخذ أن الرجل إذا تغير صديقه وتكبر عليه لنحو منصب أن يفارقه ولذلك قيل :سأصبر عن رفيقي إذا جفاني * على كل الأذى إلا الهوانوقال الشيخ الأكبر قدس سره : الخضوع واجب في كل حال إلى اللّه باطنا وظاهرا ، فإذا اتفق أن يقام في موطن الأولى فيه ظهور عزة الإيمان وجبورته وعظمته لعز المؤمن وعظمته وجبروته ويظهر في المؤمن من الأنفة والجبروت ما يناقض الخضوع والذلة ، فالأولى إظهار ما يقتضيه ذلك الموطن ، فإن للمواطن أحكاما فافعل بمقتضاها تكن حكيما ، واللّه أعلم . ( الآثار : قال عمر رضي اللّه عنه : إذا تواضع العبد للّه رفع اللّه حكمته وقال : انتعش ) أي ارتفع ( رفعك اللّه ، وإذا تكبّر وعدا ) أي تجاوز ( طوره رهصه اللّه في الأرض ) أي دفعه إليها ( وقال : اخسأ خسأك اللّه ) والقائل بهذا هو الملك الموكل بالحكمة ، ( فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس حقير ، حتى أنه لأحقر عندهم من الخنزير ) أوّله . روي مرفوعا من حديث أنس عند أبي نعيم والديلمي بلفظ « ما من آدمي إلا وفي رأسه حكمة بيد ملك فإن تواضع رفعه بها وقال ارتفع رفعك اللّه ، وإن رفع نفسه جذبه إلى الأرض وقال اخفض خفضك اللّه » وعند ابن صصري في أماليه بلفظ « فإن تواضع رفعه اللّه وإن ارتفع قمعه اللّه » . وكل ذلك قد تقدم ، وآخره رواه أبو نعيم من حديثه مرفوعا بلفظ « من تواضع للّه رفعه اللّه فهو في نفسه صغير وفي أنفس الناس عظيم ومن تكبّر وضعه اللّه فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير » . ( وقال جرير عبد اللّه ) البجلي رضي اللّه عنه : ( انتهيت مرة إلى شجرة تحتها رجل نائم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 258 | مرتضى الزبيدي