الجنة والنار فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ، وقالت الجنة : ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقاطهم وعجزتهم ؟ فقال اللّه للجنة : إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ، وقال للنار : إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء ولكل واحدة منكما
شرح
( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « تحاجت الجنة والنار فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ، وقالت الجنة : ما لي لا يدخلني إلّا ضعفاء الناس وسقاطهم وعجزتهم . فقال اللّه تعالى للجنة : إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ، وقال للنار : إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولك واحدة منكما ملؤها » ) فيه فوائد .
الأولى : رواه أحمد والبخاري من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة .
ورواه مسلم أيضا من طريق أبي الزناد ، عن الأعرج . ومن طريق أيوب السختياني ، عن محمد بن سيرين كلاهما عن أبي هريرة .
الثانية : قوله « تحاجت » أي تخاصمت . قال الجوهري : التحاج التخاصم . وقال ابن سيدة :
حاجة نازعه الحجة وحجه غلبه على حجته . وقال ابن عطية في تفسير قوله تعالى :وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ[ غافر : 47 ] المحاجة التحادر بالحجة الخصومة .
الثالثة : الظاهر أن المراد بتحاجهما تخاصمهما في الأفضل منهما وإقامة كل منهما الحجة على أفضليته ، فاحتجت النار بقهرها للمتكبرين والمتجبرين ، واحتجت الجنة بكونها مأوى الضعفاء في الدنيا عوّضهم اللّه تعالى من ضعفهم الجنة ، فقطع سبحانه التخاصم بينهما وبين الجنة بأن الجنة رحمته أي نعمته على الخلق إن جعلت الرحمة صفة فعل أو أثر ارادته الخير بمن يشاء إن جعلت صفة ذات ، وأن النار عذابه الناشئ عن غضبه وانتقامه جل وعلا .
الرابعة : قال النووي : هذا الحديث على ظاهره ، وأن اللّه تعالى جعل في النار والجنة تمييزا يدر كان به فتحاجا ، ولا يلزم من هذا أن يكون التمييز فيهما دائما . وقال أبو العباس القرطبي :
ظاهر هذه المحاجة أنها لسان فقال : فيكون خزنة كل واحد منهما هم القائلون ذلك ، ويجوز أن يخلق اللّه ذلك القول فيما شاء من أجزاء الجنة ولا يشترط عقلا في الأصوات المقطعة أن يكون محلها حيا خلافا لمن اشترط ذلك من المتكلمين . ولو سلمنا ذلك لكان من الممكن أن يخلق اللّه تعالى في بعض أجزاء الجنة والنار والجمادية حياة ، بحيث يصدر ذلك القول عنه . لا سيما وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى :وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ[ العنكبوت : 64 ] أن كل ما في الجنة حي ، ويحتمل أن يكون ذلك لسان حال فيكون ذلك عبارة عن حالتيهما ، والأوّل أولى واللّه أعلم .
الخامسة : قوله : « إلا الضعفاء من الناس » لفظ الشيخين : إلا ضعفاء الناس جمع ضعيف . قال أبو العباس القرطبي : يعني الضعفاء في أمر الدنيا ، ويحتمل أن يريد به هنا الفقراء ، وحمله على الفقراء أولى من حمله على الأول لأنه يكون معنى الضعفاء معنى العجزة المذكورة من بعد . وقال