تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
أن يخدمهما لطلب المنزلة عندهما إلا من حيث أن رضا اللّه عنه في رضا الوالدين ، ولا يجوز له أن يرائي بطاعته لينال بها منزلة عند الوالدين ، فإن ذلك معصية في الحال وسيكشف اللّه عن ريائه وتسقط منزلته من قلوب الوالدين أيضا . وأما الزاهد المعتزل عن الناس فينبغي له أن يلزم قلبه ذكر اللّه والقناعة بعلمه ، ولا يخطر بقلبه معرفة الناس زهده واستعظامهم محله ، فإن ذلك يغرس الرياء في صدره حتى تتيسر عليه العبادات في خلوته به ، وإنما سكونه لمعرفة الناس باعتزاله واستعظامهم لمحله وهو لا يدري أنه المخفف للعمل عليه . قال إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه : تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان دخلت عليه في صومعته فقلت : يا سمعان منذ كم أنت في صومعتك ؟ قال : منذ سبعين سنة ، قلت فما طعامك ؟ قال : يا حنيفي وما دعاك إلى هذا ؟ قلت : أحببت أن أعلم ، قال في كل ليلة حمصة ، قلت : فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة ؟ قال : ترى الدير الذي بحذائك ؟ قلت : نعم ، قال : إنهم يأتوني في كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي
شرح
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ[ البينة : 5 ] للّه غير مشركين به ( وكذلك من يخدم أبويه لا ينبغي أن يخدمها لطلب المنزلة عندهما إلا من حيث أن رضا اللّه في رضا الوالدين ) . وقد روى الترمذي من حديث عبد اللّه بن عمرو « رضا الرب من رضا الوالد وسخط الرب من سخط الوالد » . ( ولا يجوز له أن يرائي بطاعته لينال بها منزلة عند الوالدين ، فإن ذلك معصية في الحال ، وسيكشف اللّه عن ريائه وتسقط منزلته من قلب الوالدين أيضا ) ، فإن من طلب رضا الناس بسخط اللّه أسخطهم كما ورد ذلك في الخبر وتقدم . ( وأما الزاهد المعتزل عن الناس ، فينبغي أن يلزم قلبه ذكر اللّه ) تعالى ( والقناعة بعلمه ) فقط ( ولا يخطر بقلبه معرفة الناس بزهده واستعظامهم محله ) وتبجيلهم له ، ( فإن ذلك يغرس الرياء في صدره حتى تتيسر عليه العبادة في خلواته به ) وفي نسخة العبادات في خلوته به . ( وإنما سكونه لمعرفة الناس باعتزاله واستعظامهم لمحله وهو لا يدري أنه المخفف للعمل عليه ) . ( قال إبراهيم بن أدهم ) رحمه اللّه تعالى : ( تعلمت المعرفة من راهب ) في دير ( يقال له سمعان دخلت في صومعته ) التي هو يتعبد فيها ( فقلت : يا سمعان منذ كم أنت في صومعتك ) هذه ؟ ( قال : منذ سبعين سنة . قلت : فما طعامك ) في هذه المدة ؟ ( قال : يا حنيفي وما دعاك إلى هذا ) السؤال ؟ ( قلت : أحببت أن أعلم . قال : في كل ليلة حمصة . قلت : فما الذي يهيج في قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة ؟ قال : ترى الدير الذي بحذائك ؟ قلت : نعم قال إنهم يأتون في كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي ويطوفون حولها
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 214 | مرتضى الزبيدي