فلما فرغ الرجل من كلامه رفع الحسن رأسه فقال : ما لهم قاتلهم اللّه اتخذوا عباد اللّه خولا ومال اللّه دولا وقتلوا الناس على الدينار والدرهم ، فإذا غزا عدوّ اللّه غزا في الفساطيط الهبابة وعلى البغال السباقة ، وإذا أغزى أخاه أغزاه طاويا راجلا ، فما فتر الحسن حتى ذكرهم بأقبح العيب وأشده ، فقام رجل من أهل الشام كان جالسا إلى الحسن فسعى به إلى الحجاج وحكى له كلامه ، فلم يلبث الحسن أن أتته رسل الحجاج فقالوا : أجب الأمير ، فقام الحسن وأشفقنا عليه من شدة كلامه الذي تكلم به ، فلم يلبث الحسن أن رجع إلى مجلسه وهو يتبسم ، وقلما رأيته فاغرا فاه يضحك إنما كان يتبسم فأقبل حتى قعد في مجلسه فعظم الأمانة وقال : إنما تجالسون بالأمانة كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في الدينار والدرهم ، إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل فنطمئن إلى جانبه ثم ينطلق فيسعى بنا إلى شرارة من نار ؟ إني أتيت هذا الرجل فقال : أقصر
شرح
ليسمع ما يقول . ( فلما فرغ الرجل من كلامه رفع الحسن رأسه فقال : ما لهم قاتلهم اللّه اتخذوا عباد اللّه خولا ) أي مستخدمين ( ومال اللّه دولا يتناوبونه وقتلوا الناس على الدينار والدرهم ، فإذا غزا عدو اللّه غزا في الفساطيط الهبابة ) أي العالية المشرعة ( وعلى البغال السباقة ، فإذا أغزى أخاه أغزاه طاويا ) أي جائعا ( راجلا ) أي على رجليه ، ( فما فتر الحسن حتى ذكرهم بأقبح العيب وأشده ، فقام رجل من أهل الشام كان جالسا إلى الحسن فسعى به إلى الحجاج ) أي نقل مجلسه ذلك ( وحكى له كلامه ، فما لبث الحسن أن أتته رسل الحجاج فقالوا : أجب الأمير ، فقام الحسن وأشفقنا عليه من شدة كلامه الذي تكلم به ) في حقهم ، ( فلم يلبث الحسن أن رجع إلى مجلسه وهو يتبسم وقلما رأيته فاغرا فاه ) أي فاتحا ( يضحك إنما كان يتبسم ، فأقبل حتى قعد في مجلسه فعظم الأمانة ) أي أمرها ( وقال : إنما تجالسون بالأمانة ) . رواه بهذا اللفظ العسكري من طريق هشام بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن ابن عباس رفعه . وروى عبد الرزاق في جامعه ، وابن المبارك في الزهد ، والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم مرفوعا ومرسلا « إنما يتجالس المتجالسان بأمانة اللّه تعالى فلا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره » . ورواه ابن لآل في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود ، وروى العسكري ، والديلمي ، والقضاعي من حديث علي « المجالس بالأمانة » . وروى الديلمي من حديث أسامة بن زيد « المجالس أمانة فلا يحل لمؤمن أن يرفع على مؤمن قبيحا » .
( كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في الدينار والدراهم . إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل فنطمئن إلى ناحيته ثم ينطلق فيسعى بنا إلى شرارة من نار ) . وروى العسكري عن ابن عباس في تأويل قوله : « إنما تجالسون بالأمانة » قال : أراد صلّى اللّه عليه وسلم أن الرجل يجلس إلى القوم فيخوضون في الحديث ، ولعل فيه ما إن نمى كان فيه ما يكرهون فيأمنونه على أسرارهم . وروى