وأما الوعظ والفتوى والتدريس ورواية الحديث وجمع الأسانيد العالية ، وكل ما يتسع بسببه الجاه ويعظم به القدر ؛ فآفته أيضا عظيمة مثل آفة الولايات ، وقد كان الخائفون من السلف يتدافعون الفتوى ما وجدوا إليه سبيلا ، وكانوا يقولون : حدثنا ، باب من أبواب الدنيا ، ومن قال : حدثنا ، فقد قال أوسعوا لي . ودفن بشر كذا وكذا قمطرة من الحديث وقال : يمنعني من الحديث أن أشتهي أن أحدث ولو اشتهيت أن لا أحدث لحدثت . والواعظ يجد في وعظه وتأثر قلوب الناس به وتلاحق بكائهم وزعقاتهم وإقبالهم عليه لذة لا توازيها لذة ، فإذا غلب ذلك على قلبه مال طبعه إلى كل كلام مزخرف يروج عند العوام وإن كان باطلا ويفر عن كل كلام يستثقله العوام وإن كان حقا ، ويصير مصروف الهمة بالكلية إلى ما يحرك قلوب العوام ويعظم منزلته في قلوبهم ، فلا يسمع حديثا وحكمة إلا ويكون فرحه به من حيث أنه يصلح لأن يذكره على رأس المنبر ، وكان ينبغي أن يكون فرحه به من حيث أنه عرف طريق السعادة وطريق سلوك سبيل الدين ليعمل به أولا ، ثم يقول : إذا أنعم اللّه عليّ بهذه النعمة ونفعني بهذه الحكمة
شرح
( وأما الوعظ ) على العامة ( والفتوى والتدريس ورواية الحديث ) بالارتحال إلى البلدان النائية ( وجمع الأسانيد العالية ) وعلوها بسبب قربها من فرق بأن يقع له ثلاثيا أو رباعيا وهلم جر إلى العشاريات ، ( وكل ما يتسع بسببه الجاه ويعظم به القدر فآفته أيضا عظيمة . مثل آفة الولايات وقد كان الخائفون من السلف يتدافعون الفتوى ما وجدوا إليه سبيلا ) كما تقدم في كتاب العلم ، ( وكانوا يقولون ) قول المحدث : ( حدثنا ) وأخبرنا ( باب من أبواب الدنيا ، ومن قال : حدثنا فقد قال ) بلسان حاله ( أوسعوا لي ) تقدم في كتاب العلم . ( ودفن ) أبو نصر ( بشر بن الحرث ) الحافي قدس سره ( كذا وكذا قمطرة من الحديث ) الذي كان يسمعه من الشيوخ وكتبه بيده . تقدم في كتاب العلم . ( وقال : يمنعني من الحديث ) أي من التحدث به ( أن أشتهي أن أحدث ، ولو اشتهيت أن لا أحدث لحدثت ) تقدم في كتاب العلم .
( والواعظ يجد في وعظه ) للناس ( وتأثر قلوب الناس به ) أي بوعظه ( وتلاحق بكائهم وزعقاتهم وإقبالهم عليه لذة ) عظيمة ( لا توازيها لذة ، فإذا غلب ذلك على قلبه مال قلبه إلى كل كلام مزخرف يروج عند العوام وإن كان ) في نفسه ( باطلا ويفر عن كل كلام يستقله العوام وإن كان ) في نفسه ( حقا ، ويصير مصروف الهمة بالكلية إلى ما يحرك قلوب العوام ) ويروج عندهم ( وتعظم منزلته في قلوبهم ، فلا يسمع حديثا ولا حكمة ) ونادرة ( إلا ويكون فرحه بها من حيث أنه يصلح لأن يذكره على رأس المنبر ) الكرسي ، ( وكان ينبغي أن يكون فرحه به من حيث أنه عرف طريق السعادة وطريق سلوك سبيل الدين ليعمل به أولا ، ثم يقول إذا أنعم اللّه علي بهذه النعمة ونفعني بهذه الحكمة فاقصها ) للناس