تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 661

مساهمون:

ص٦٦١
الواضح الذي فصلناه من قبل . فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا بل للدين ، وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية ، وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط ، بل كان أمرهم بين ذلك قواما ، وذلك هو العدل ، والوسط بين الطرفين وهو أحب الأمور إلى اللّه تعالى كما سق ذكره في مواضع . واللّه أعلم . تم كتاب ذم الدنيا والحمد للّه أوّلا وآخرا وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
شرح
وأما حديث أبي الدرداء وواثلة فقد أشار إليهما السخاوي في المقاصد . وأما حديث علي بن أبي طالب ، فرواه أبو نعيم في الحلية ، وابن النجار في التاريخ بلفظ : « تفرقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ينتحلون وتفارق أمرنا » وفي سنده لين . ( وقد كانوا ) رضي اللّه عنهم ( على المنهج القصد ) أي المتوسط بين الإفراط والتفريط ، ( وعلى السبيل الواضح الذي فصلناه من قبل فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا ) أي الأجل إقامة أمور الدنيا ، ( بل للدين ) وما يتوصلون بها إليه ، ( وما كانوا يترهبون ) أي ما كانوا مثل الرهابين ينتحلون ( ويهجرون الدنيا بالكلية ، وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط ، بل كان أمرهم بين ذلك قواما ) أي معتدلا . ( وذلك هو العدل والوسط بين الطرفين ) ، وبه فسر قوله تعالى :وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً[ الفرقان : 67 ] ( وهو أحب الأمور إلى اللّه تعالى ) لما ورد في الخبر : « خير الأمور أوساطها » ( كما سبق ذكره في مواضع ) من هذا الكتاب ( والسلام ) ولنختم الكتاب بفائدة لها تعلق بما سبق نشير إليها . أعلم أنه لما احتاج الناس بعضهم إلى بعض سخر اللّه كل واحد من كافتهم لصناعة ما يتعاطاها ، وجعل بين طبائعهم وصنائعهم مناسبات خفية واتفاقات سماوية لتؤثر الواحد بعد الواحد حرفة من الحرف ينشرح صدره بملابستها وتطيعه قواه لمزاولتها فإذا جعل اللّه صناعة أخرى فربما وجد متبلدا فيها ومتبرما بها ، وقد سخرهم اللّه لذلك لئلا يختاروا بأجمعهم صناعة واحدة فتبطل الأقوات والمعاونات ، ولولا ذلك لما اختاروا من الأسماء إلا أحسنها ، ومن البلاد إلا أطيبها ، ومن الصناعات إلا أجملها ، ومن الأعمال إلا أرفعها . ولتناصروا على ذلك ولكن اللّه بحكمته جعل كل واحد منهم في ذلك مجبرا في صورة مخير ، فالناس إما راض بصنعة لا يريد عنها حولا كالحائك الذي يرضى بصنعته ، ويعيب الحجام الذي يرضي بصناعته ، ويعيب الحائك . وبهذا انتظم أمرهم كما قال اللّه تعالى :فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ[ المؤمنون : 53 ] وإما كاره لها يكابدها مع كراهة كأنه لا يجد عنها بدلا ، وعلى ذلك دل قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « كل ميسر لما خلق له » بل صرح تعالى في قوله :نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 661 | مرتضى الزبيدي