تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 613

مساهمون:

ص٦١٣
ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بيني وبين قيام الليل ، وكان آخر يقول : اللهم ارزقني قوّة الصلاة والركوع والسجود في القبر . فهذا قد صارت الصلاة من حظوظه العاجلة وكل حظ عاجل فاسم الدنيا ينطلق عليه من حيث الاشتقاق من الدنوّ ، ولكنا لسنا نعني بالدنيا المذمومة ذلك ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « حبب إليّ من دنياكم ثلاث : النساء والطيب وقرة عيني في الصلاة » فجعل الصلاة من جملة ملاذ الدنيا ، وكذلك كل ما يدخل في الحس والمشاهدة فهو من عالم الشهادة وهو من الدنيا ، والتلذذ بتحريك الجوارح بالركوع والسجود إنما يكون في الدنيا فلذلك أضافها إلى الدنيا : إلا أنا لسنا في هذا الكتاب نتعرض إلا للدنيا المذمومة فنقول : هذه ليست من الدنيا .
شرح
بحيث لو منع عنها ) ولو ساعة من الزمان ( لكان ذلك أعظم العقوبات عليه ) ويرى نفسه متلهفا نادما كأنه كان في يده شيء ففاته ، ( حتى قال بعضهم : ما أخاف الموت إلا من حيث يحول بيني وبين قيام الليل ) فهذا قد حذر الموت لأجل حيلولته بينه وبين التهجد . ( وكان آخر يقول : اللهم ارزقني قوة الصلاة والركوع والسجود في القبر ) ومنهم من استجيب له ذلك فكشف عن قبور بعض منهم فرؤي مصليا ، ومنهم من رؤي في قبره قارئا للقرآن . ( فهذا قد صارت الصلاة ) والقراءة ( عنده من حظوظه العاجلة ، وكل حظ عاجل فاسم الدنيا ينطلق عليه من حيث الإشتقاق من الدنو ) الذي هو القرب بالذات أو الحكم ، فهي إذا فعلى من الدنو . قال الحراني : هو الإنزال رتبة في مقابلة علياء ، ولكونها لزمتها العاجلة صارت في مقابلة الأخرى اللازمة للعلو ، ففي الدنيا نزول قدر وتعجيل ، وفي الآخرة علو قدر وتأخير فتقابلتا . ( ولكنا لسنا نعني بالدنيا المذمومة ذلك ) كيف يكون ذلك ، ( وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « حبب إليّ من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة » ) رواه النسائي والحاكم من حديث أنس دون قوله : « ثلاث » وتقدم في النكاح ، وفي بعض ألفاظه : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » وفي بعضها : « وجعل » . وتقدم تفصيل ذلك . ومنهم من قال : إن لفظ ثلاث لم يقع في شيء من طرقه بل زيادته محيلة للمعنى ، ولكن شرحه الإمام أبو بكر بن فورك في رسالة ووجهه بما حاصله في كلام المصنف حيث قال : ( فجعل الصلاة من جملة ملاذ الدنيا ، وذلك لأن كل ما يدخل في الحس والمشاهدة فهو من عالم الشهادة وهو من الدنيا والتلذذ بتحريك الجوارح بالركوع والسجود إنما يكون في الدنيا فلذلك أضافها إلى الدنيا ) فعلى هذا لفظ الثلاث إن ثبت لا يكون محيلا للمعنى ، ولكن لما لم يكن في الصلاة تقاضى شهوة نفسانية كما في النساء والطيب عبر فيها بعبارة تخالف السياق الأول . فقال : وجعلت قرة عيني في الصلاة كما في رواية ، وعند أحمد في الزهد زيادة على هذا الحديث وهي : أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن . وروى الديلمي من حديث أنس : الجائع يشبع والظمآن يروى وأنا لا أشبع من حب الصلاة والنساء . ( إلا أنا في هذا الكتاب لسنا نتعرض إلا للدنيا المذمومة فنقول : هذه ليست من الدنيا .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 613 | مرتضى الزبيدي