بأمانيه ، فهو الذي يرشده ويهديه ، وهو الذي يميته ويحييه ، وإذا مرض فهو يشفيه ، وإذا ضعف فهو يقوّيه وهو الذي يوفقه للطاعة ويرتضيه ، وهو الذي يطعمه ويسقيه ويحفظه من الهلاك ويحميه ويحرسه بالطعام والشراب عما يهلكه ويرديه ، ويمكنه من القناعة بقليل القوت ويقريه حتى تضيق به مجاري الشيطان الذي يناويه ويكسر به شهوة النفس التي تعاديه ، فيدفع شرها ثم يعبد ربه ويتقيه . هذا بعد أن يوسع عليه ما يلتذ به
شرح
تعالى بتعديل قواها مرة وبإمداد القلوب ثانيا ( المنعم عليه بما يزيد على مقاصده بل بما يفي بأمانيه ) جمع أمنية وهي تقدير الوقوع فيما يترامي إليه الأمل ، ( فهو الأصل الذي يرشده ) بتوفيقه ( ويهديه ) إلى سبيل الخير والرشد عناية الهية تعين الإنسان عند توجهه في أمور فتقربه لما فيه صلاحه وتفتره عما فيه فساده ، وأكثر ما يكون ذلك من الباطن نحو قوله تعالى :وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُالآية [ الأنبياء : 51 ] وللهداية ثلاث منازل في الدنيا : الأول تعريف الخير والشر ، والثاني : ما يمد به حالا فحالا بحسب استزادته من العلم والعمل الصالح ، والثالث : نور الولاية التي هي في أفق نور النبوة بتحري هذه المنازل الثلاث يتوصل إلى الهداية للجنة ، ( وهو الذي يميته ) بعد خلقه ( ويحييه ) ثانيا بعد موته ، ( وإذا مرض ) بطرئان العلة في تركيب صورته ( فهو ) الذي ( يشفيه ) أي يزيل عنه تلك العلة ( وإذا ضعف ) عن حمل ما حمل ( فهو ) الذي ( يقويه ) ويدفع عنه ذلك الضعف ، ( وهو الذي يوفقه للطاعة ) أي يلهمه إياها إلهاما ويسهل له سبلها ( ويرتضيه ) أي يجعله مرضيا ، ( وهو الذي يطعمه ويسقيه ) أشار بهذه الفقر إلى قوله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام :وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ[ الشعراء :
81 ]وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِالآية [ الشعراء : 79 ، 80 ] ( ويحفظه من الهلاك ويحميه ) بصيانة بعض المتعاديات والمتضادات بعضها عن بعض ( ويحرسه بالطعام والشراب عما يهلكه ويرديه ) أي يوقعه في الردي وذلك لأن إمداد القلوب إنما تتم بخلق الأطعمة والأدوية وخلق الآلات المصلحة لها وخلق المعرفة الهادية إلى استعمالها حفظا لبدنه من المتضادات وهذه هي الأسباب التي تحفظ الإنسان من الهلاك الداخل ، ( ويمكنه من القناعة ) أي الاكتفاء ( بقليل القوت ويقويه ) أي يحفظ عليه قوته ( حتى تضيق به ) أي بالقناعة بالقوت اليسير ( مجاري الشيطان ) أي مداخله ( الذي يناويه ) أي يعاديه ، وذلك لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم كما في الخبر ، فإذا أقل القوت ضاقت العروق ولم يتولد دم كثير إذ إنما يتحصل بسبب الغذاء الكثير فلا يرد على القلب من تلك المجاري دم فيفيض ويصفو ويشرق نوره ( ويكسر به سطوة النفس التي تعاديه ) فإن الشهوات إنما تنبعث من امتلاء العروق بالدم الحاصل من كثرة الأغذية ، فإذا قل الغذاء قل الدم فقلت سطوة النفس الأمارة بالسوء ، ( فيدفع شرها ) بتلك الرياضة ( ثم يعبد ربه ) بجمع همته ( ويتقيه ) وتمام التقوى لا يكون إلا بعد مخالفة الهوى ومعاداة النفس وكسر سورتها ( هذا بعد أن يوسع عليه بأنواع النعم وأصناف ) الافضال ( ما