الحمد للّه المنفرد بالجلال في كبريائه وتعاليه المستحق للتحميد والتقديس والتسبيح والتنزيه ، القائم بالعدل فيما يبرمه ويقضيه ، المتطوّل بالفضل فيما ينعم به ويسديه ، المتكفل بحفظ عبده في جميع موارده ومجاريه ، المنعم عليه بما يزيد على مهمات مقاصده بل بما يفي
شرح
بسم الله الرحمن الرحيم
( بسم اللّه الرحمن الرحيم ) استفتاحا لهذا الباب بمفتاح هو مفتتح كل كتاب وعنوان كل خطاب ، ثم أردفه بجملة الحمد ليجمع بين الذكرين ويعمل بمقتضى الخبرين فقال :
( الحمد للّه ) وهو ذكر أوصاف الكمال من حيث هو كمال وهذا له تعالى خاصة ( المنفرد بالجلال ) أي المتناهي في عظم القدر ( في كبريائه ) أي عظمته ( وتعاليه ) أي رفعته وهو تفاعل من العلو بمعنى الفوقية المطلقة في الرتبة ومعنى تفرده به فيهما أن لا يحيط به وصف الواصفين ، بل علم العارفين ( المستحق ) أي المستوجب ( للتحميد ) أي لأنه يحمد وحمده لنفسه أزلا ويحمده عباده له أبدا فهو المحمود المثنى عليه ( والتقديس ) هو التنزيه من كل وصف يدركه حس أو يتصور خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يفضي إليه فكر ، ( والتسبيح ) هو التقديس والتنزيه . يقال : سبحت اللّه أي نزهته عما يقول الظالمون الجاحدون ( والتنزيه ) يقال : نزهت اللّه عن السوء أي برأته منه وفي ذكر التقديس والتنزيه بعد ذكره المتعالي الذي هو تفاعل من العلو وفيه نوع مبالغة إشارة إلى أنه العلي المطلق الذي له الفوقية لا بالإضافة وبحسب الوجوب لا بحسب الوجود الذي يقارنه إمكان نقيضه وهو منزه عن العلو بالإضافة إلى بعض الموجودات والإضافة إلى الوجود ، ( القائم بالعدل ) أي السواء ( فيما يبرمه ) أي يحكمه ( ويقضيه ) أي يقدره من أفعاله قد خلق أقسام الموجودات جسمانيها وروحانيها ناقصها وكاملها وأعطى كل شيء خلقه وهو بذلك جواد ورتبه في موضعه اللائق به ولا يفهم صفة قيامه بالعدل إلا من أحاط علما بأفعال اللّه تعالى من ملكوت السماوات إلى منتهى الثرى ، حتى إذا لم ير في خلق الرحمن من تفاوت ثم رجع فما رأى من فطور ثم رجع كرة أخرى ، فانقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير قد بهره جلال الحضرة الربوبية وحيره اعتدالها وانتظامها ، فحينئذ يعلق بفهمه شيء من هذه الصفة ( المتطول بالفضل ) هو ابتداء إحسان بلا علة وتطول به من ( فيما ينعم به ويسديه ) أي يوصله يقال أسدى إليه معروفا إذا اتخذه عنده ، ( المتكفل ) تفعل من الكفل وهو حياطة الشيء بجميع جهاته حتى يصير عليه كالفلك الدائر ، ( يحفظ عبده في جميع موارده ومجاريه ) أي جهاته إذ ركبه من متعاديات متضادات إذ لا بدّ له من حرارة غريزية لو بطلت لبطلت حياته ، ولا بدّ له من رطوبة تكون غذاء لبدنه كالدم وما يجري مجراه ، ولا بد من يبوسة بها يتماسك أعضاؤه وخصوصا ما صلب منها كالعظام ولا بد من برودة تكسر سورة الحرارة حتى تعتدل ولا تحلل الرطوبات الباطنة بسرعة فهذه متعاديات متنازعات وقد جمع اللّه هذه في إهابه ولولا حفظه إياها لتنافرت وتباعدت وبطل امتزاجها واضمحل تركيبها وبطل المعنى الذي صارت به مستعدة بقوة التركيب والمزاج وحفظ اللّه