« ائتوني بهما فجاءتا فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بقدح فقال لإحداهما قيئي فقاءت من قيح ودم وصديد حتى ملأت القدح ، وقال للأخرى قيئي فقاءت كذلك فقال : إن هاتين صامتا عما أحل اللّه لهما وأفطرتا على ما حرم اللّه عليهما ، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس » . وقال أنس : خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فذكر الربا وعظم شأنه فقال :
« إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند اللّه في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل وأربى الربا عرض الرجل المسلم » وقال جابر : كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في
شرح
انهما واللّه قد ماتتا أو كادتا أن تموتا . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « ائتوني بهما » فجاءتاه فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعس أو ) قال ( قدح ) شك من الراوي ( فقال لأحداهما « قيئي » فقاءت من قيح ودم وصديد حتى ملأت القدح ، وقال للأخرى « قيئي » فقاءت كذلك ) أي قيحا ودما وصديدا ( فقال ) صلّى اللّه عليه وسلم ( « إن هاتين صامتا عما أحل اللّه لهما ) وهو الطعام والشراب ( وأفطرتا على ما حرم اللّه عليهما ) ثم بين ذلك بقوله : ( جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس » ) أخرجه ابن أبي الدنيا عن عبد اللّه بن أبي بدر ، أنبأنا يزيد بن هارون ، أنبأنا سليمان التيمي قال : سمعت رجلا يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي ، عن عبيد مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أن امرأتين من الأنصار صامتا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فجلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس ، فجاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : إن ههنا امرأتين صامتا وقد كادتا أن تموتا من العطش ، فأعرض عنه النبي صلّى اللّه عليه وسلم فسكت قال : ثم جاءه بعد ذلك أحسبه قال في الظهيرة ، فقال : يا رسول اللّه إنهما واللّه لقد ماتتا أو كادتا أن تموتا فساقه كسياق المصنف . قال العراقي : رواه كذلك أحمد من حديث عبيد وفيه رجل لم يسم ، ورواه أبو يعلى في مسنده فاسقط فيه ذكر الرجل .
قلت : ورواه أيضا ابن مردويه في التفسير وفيه رجل لم يسم ، وقد تقدم ذكر هذه الرواية في كتاب آداب الصحبة ، والتعريف بحال راويه عبيد مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .
( وقال أنس ) بن مالك رضي اللّه عنه : ( خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فذكر الربا وعظم شأنه فقال « إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند اللّه في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل » ) قال الطيبي : إنما كان الربا أشد من الزنا لأن فاعله حاول محاربة الشارع بفعله بعقله . قال تعالىفَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ[ البقرة : 279 ] أي بحرب عظيم فتحريمه محض تعبد . وأما قبح الزنا فظاهر عقلا وشرعا وله روادع وزواجر سوى الشرع ، فآكل الربا يهتك حرمة اللّه ، والزاني يخرق جلباب الحياء فريحه تهب حينا ثم تسكن ، ولواؤه يخفق برهة ثم يقر ، ( وأربى الربا عرض الرجل المسلم ) أي الاستطالة فيه بأن يتناول منه أكثر مما يستحقه على ما قيل له ، وأكثر مما رخص له فيه ، ولذلك مثله بالربا وعده من عداده ثم فضله على جميع افراده ، لأنه أكثر مضرة وأشد فسادا ، فإن العرض شرعا وعقلا أعز على النفس من المال وأعظم منه