وذلك أن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى ، فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلما وعرضه بلسانه وإن كان كاذبا .
وأما عرض غيره فبأن يسأل عن سر أخيه فله أن ينكره وأن يصلح بين اثنين وأن يصلح بين الضرات من نسائه بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه وإن كانت امرأته لا تطاوعه إلا بوعد لا يقدر عليه فيعدها في الحال تطييبا لقلبها أو يعتذر إلى إنسان وكان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب وزيادة تودد فلا بأس به ، ولكن الحد فيه أن الكذب محذور ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور ، فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر ويزن بالميزان القسط ، فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعا في الشرع من الكذب فله الكذب ، وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما ، وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى لأن الكذب
شرح
شرطهما ، وتعقبه الذهبي فقال : غريب جدا لكنه قال في المهذب : اسناده جيد ، وصححه ابن السكن ، وذكره الدارقطني في العلل ، وصحح إرساله ، وقول ابن عبد البر : لا نعلمه بوجه من الوجوه . قال الحافظ ابن حجر : مراده من حديث مالك ، ولما ذكر إمام الحرمين هذا الحديث في النهاية قال : صحيح متفق على صحته فتعجب منه ابن الصلاح ، وقال : أوقعه فيه عدم المامه بصناعة الحديث التي يفتقر إليها كل عالم ، ( وذلك لأن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى ) بل أعظم من الأولى ، ( فللرجل أن يحفظ دمه ) عن السفك ( وماله ) عن السلب ( الذي يؤخذ ظلما ) وعدوانا ( وعرضه ) عن الهتك ( بلسانه ، وإن كان كاذبا ) في قوله .
( وأما عرض غيره فبأن يسأل عن سر أخيه فله أن ينكره ) ولا يقر ولا يفشيه ، ( و ) له ( أن يصلح بين اثنين ) متخاصمين ( وأن يصلح بين الضرّات من نسائه ) جمع الضرة على القياس وهي امرأة زوجها ، ويجمع أيضا على الضرائر مثل كريمة وكرائم ولا يكاد يوجد لها نظير ( بأن يظهر لكل واحدة ) منهن ( أنها أحب ) النساء ( إليه ) لتسكن بذلك ، ( أو كانت امرأته لا تطيعه إلا بوعد بما لا يقدر عليه فيعدها في الحال تطييبا لقلبها ) وجبرا لخاطرها ، ( أو يعتذر إلى إنسان ، وكان ) ممن ( لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب وزيادة تودد ) مع وجود ذنب وقلة ودّ ( فلا بأس به ) أي يباح له ذلك ، ( ولكن الحد فيه أن الكذب محذور ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور ، فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر ويزن بالميزان القسط ) أي العدل ، ( فإذا علم المحذور الذي يحصل بالصدق أشدّ وقعا في الشرع ) بأن يترتب عليه اختلال شيء من أموره الظاهرة وأعظم تأثيرا ( من الكذب فله الكذب ) حينئذ ، ( وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق ) مراعاة للأصل ويلغي النظر إلى ذلك المقصود . ( وقد يتقابل الأمر بحيث يتردّد فيه ) أي يستوي طرفاه ولا بدّ من الترجيح ، ( وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى لأن الكذب ) من أصله قبيح وإنما قلنا إنه