تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
اعلم أن الكذب ليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره ، فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا وقد يتعلق به ضرر غيره ورب جهل فيه منفعة ومصلحة ، فالكذب محصل لذلك الجهل فيكون مأذونا فيه ، وربما كان واجبا . قال ميمون بن مهران : الكذب في بعض المواطن خير من الصدق أرأيت لو أن رجلا سعى خلف إنسان بالسيف ليقتله فدخل دارا فانتهى إليك فقال : أرأيت فلانا ما كنت قائلا : ألست تقول : لم أره . وما تصدق به وهذا الكذب واجب .
شرح
والثاني : هو أن يقول قولا يشبه الكذب والمتكلم به لا يقصد إلا الحق ، ومنه الخبر كذب أبي ثلاث كذبات في قوله :إِنِّي سَقِيمٌ[ الصافات : 89 ] وفي قوله :بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا[ الأنبياء : 83 ] وفي قوله : « سارة أختي » فتأويل هذا القول أي قال قولا يشبه الكذب وهو صادق في الكلمات الثلاث . والثالث : يقال كذب بمعنى أخطأ . والرابع : يقال كذب الرجل بمعنى بطل أمله وما رجاه ، ومنه قول الشاعر :كذبتم وبيت اللّه لا تأخذونها * مغالبة ما دام للسيف قائمأي كذبكم أملكم وبطل تقديركم . الخامس : يطلق الكذب ويراد به الإغراء ومطالبة المخاطب بلزوم الشيء المذكور ، كقول العرب : كذب عليك العسل يريدون كل العسل تلخيصه أخطأ تارك العسل ورافضه ، فغلب المضاف إليه على المضاف : قال عمر رضي اللّه عنه : كذب عليكم الحج معناه الزموا الحج . هذا خلاصة ما ذكره في هذه المسألة والمشار إليه من قبل اعتوار الأحكام الشرعية عليه من الحرمة والإباحة هو القسم الأول منها ، وقد أشار إليه المصنف فقال : ( اعلم أن الكذب ليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر ) الحاصل ( على المخاطب وعلى غيره ) إما في الحال أو في المآل ، ( فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر ) الذي أخبر بالقول ( الشيء على خلاف ما هو به فيكون جاهلا وقد يتعلق به ضرر غيره ، ورب جهل ) بالشيء ( فيه منفعة ومصلحة ) له أو لغيره ، ( فالكذب محصل لذلك الجهل فيكون مأذونا فيه ) نظرا لتلك المنفعة والمصلحة ، ( وربما كان ) الكذب ( واجبا ) إذا وقع في تركه ما هو أفحش منه . ( قال ميمون بن مهران ) الجزري الثقة كاتب عمر بن عبد العزيز : ( إن الكذب في بعض المواطن خير . أرأيت لو أن رجلا سعى وآخر وراءه بالسيف فدخل دارا فانتهى إليك ، فقال : أرأيت فلانا ما كنت قائلا ؟ ألست تقول لم أره وما تصدق فهذا الكذب واجب )