فنقول الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل بالصدق والكذب جميعا ، فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصد مباحا واجب إن كان المقصود واجبا ، كما أن عصمة دم المسلم واجبة . فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب ومهما كان لا يتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أو استماله قلب المجني عليه إلا بكذب فالكذب مباح إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغنى عنه وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة فيكون الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة ، والذي يدل على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قالت : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يرخص في شيء من
شرح
أخرجه ابن أبي الدنيا فقال : حدثنا أحمد بن منيع ، حدثنا ابن علية ، عن سوار بن عبد اللّه قال :
نبئت أن ميمون بن مهران قال وعنده رجل من قراء أهل الشام : إن الكذب في بعض المواطن خير من الصدق ، فقال الشامي : لا الصدق في كل موطن خير . قال : أرأيت لو رأيت رجلا يسعى وآخر يتبعه بالسيف فدخل دارا فانتهى إليك فقال : رأيت الرجل ، ما كنت قائلا ؟ قال : كنت أقول لا قال : فهو ذاك .
( فنقول : الكلام وسيلة إلى المقاصد ) أي يتوصل به إلى تحصيلها سواء كانت دنيوية أو أخروية وسواء كانت محمودة أو مذمومة ، ( فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا ، فالكذب فيه حرام ) قولا واحدا ( وإن أمكن التوصل بالكذب دون الصدق فالكذب فيه ) حينئذ ( مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا ، وواجب إن كان المقصود واجبا كما أن عصمة دم المسلم ) وكذا عصمة ماله وعرضه ( واجب ، فمهما كان في الصدق سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم ) يريد قتله أو أخذ ماله أو هتك عرضه ، وكذا في الستر على عورة أخيه إذا سئل ، ( فالكذب فيه واجب ) ويدل على ذلك قول ميمون بن مهران السابق . ( ومهما كان لا يتم مقصود حرب ) مع العدوّ ( أو إصلاح ذات البين ) بين رجلين أو بين رجل وامرأة أو بين طائفتين ، ( أو استمالة قلب المجني عليه ) وكذا الحديث مع المرأة ( إلا بكذب فالكذب ) حينئذ ( مباح إلا أنه ينبغي أن يحترز عنه ) أي عن الكذب ( ما أمكن ) له ذلك ( لأنه إذا فتح باب الكذب فيخشى أن يتداعى ) ويتسبب ( إلى ما يستغنى عنه ، وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة ، فكان حراما في الأصل إلا لضرورة ) عارضة ، ( فالذي يدل على الاستثناء ) أي الإخراج عن حد الحرمة ( ما روي عن أم كلثوم ) بنت عقبة بن أبي معيط أخت الوليد وأخت عثمان لأمه صلت القبلتين وهاجرت إلى المدينة ماشية عام الحديبية ، وفيها نزلت آية الامتحان فتزوّجها زيد بن حارثة ثم الزبير ثم عبد الرحمن بن عوف ، فولدت له إبراهيم وحميدا ومات عنها ، فتزوّجها عمرو بن العاص فماتت بعد شهر ، روى لها البخاري ومسلم