مزاحه أنه صلّى اللّه عليه وسلم كسا ذات يوم امرأة من نسائه ثوبا واسعا فقال لها البسيه واحمدي وجري منه ذيلا كذيل العروس . وقال أنس : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان من أفكه الناس مع نسائه . وروي أنه كان كثير التبسم ، وعن الحسن قال : أتت عجوز إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال لها صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يدخل الجنة عجوز » فبكت ، فقال : « إنك لست بعجوز يومئذ » قال اللّه تعالى :
إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً * فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً
[ الواقعة : 36 ] وقال زيد بن أسلم :
شرح
ذات يوم امرأة من نسائه ثوبا واسعا فقال « البسيه واحمدي » وجرى منه ذيلا كذيل العروس ) قال العراقي : لم أقف عليه .
قلت : والذي روي عن ابن عباس فيما أخرجه الطبراني وابن عساكر أنه سئل هل كان صلّى اللّه عليه وسلم يداعب ؟ فقال : كان فيه دعابة قليلة .
( وروى انس ) رضي اللّه عنه ( « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان من أفكه الناس » ) أي أمزحهم إذا خلا بنحو أهله رواه ابن عساكر في التاريخ وقد تقدم في كتاب النبوّة ، ( وروى أنه ) صلّى اللّه عليه وسلم ( كان كثير التبسم ) تقدم في كتاب أخلاق النبوّة ، وروى أحمد والترمذي والحاكم من حديث جابر بن سمرة كان لا يضحك إلا تبسما وقد تقدم أيضا .
( وعن الحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى ( قال : أتت عجوز ) قيل هي عمته صفية بنت عبد المطلب أم الزبير رضي اللّه عنها ( إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال لها « لا يدخل الجنة عجوز » فبكت .
فقال « إنك لست بعجوز يومئذ » ) بل شابة . قيل : كأنه صلّى اللّه عليه وسلم فهم أنها تطلب تدخل الجنة على هيأتها وقت موتها فردّ اعتقادها فداعبها . ويحتمل ان لا يكون مداعبة ويكون عدّها مداعبة من فهم الحاضرين ، وهذا قد رده ابن حجر في شرح الشمائل فقال فيما قاله أوّلا نظر إذ لا يحتاج في عدّه مداعبة إلى دعوى أنه صلّى اللّه عليه وسلم فهم ذلك ، بل إلى لفظ أوهم ذلك واحتماله المذكور ليس في محله ، لا سيما وفيه سوء أدب على الصحابة الحاضرين يجعله نفسه فهم أنه غير مداعبة وفهموا المداعبة وهو فهم غير صحيح ، وفي ذلك من قلة الأدب ما لا يخفى بل فيه عدم حفظ القواعد الأصولية المصرحة بأن فهم الصحابي مقدم على فهم غيره ، لأنه أعرف بمرويه لمشاهدته من القرائن الحالية والمقالية ما لم يشاهده ، فوجب تقديم فهمه على فهم غيره . وتأمل مزحه صلّى اللّه عليه وسلم تجده لا يخلو من بشرى عظيمة أو فائدة عزيزة أو مصلحة تامة فهو في الحقيقة غاية الجد وليس مزاحا إلا باعتبار الصورة فقط ( قال اللّه تعالىإِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) أي خلقناهن من غير توسط ولادة ( فجعلناهنّ أبكارا ) أي كلما جاء الرجل وجدها بكرا يحتمل أن المراد ثم زيناهن حتى وصلن لحد التمتع ، ويحتمل وهو الظاهر أنهن خلقن ابتداء كاملات من غير تدريج في التربية والسن ، وهذا بناء على ما يصرح به سياق القرائن أن الضمير للحور ، وحينئذ فوجه المطابقة بين هذا وما نحن فيه أنه يعلم أن أهل الجنة كلهم أنشأهم اللّه تعالى خلقا آخر يناسب الدوام والبقاء ، وذلك يستلزم كمال الخلق وتوفر القوى