ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة يواظب عليه ويفرط فيه ثم يتمسك بفعل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وهو كمن يدور نهاره مع الزنوج ينظر إليهم وإلى رقصهم ويتمسك بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أذن لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد ، وهو خطأ إذ من الصغائر ما يصير كبيرة بالإصرار ، ومن المباحات ما يصير صغيرة بالإصرار ، فلا ينبغي أن يغفل عن هذا ، نعم روى أبو هريرة أنهم قالوا يا رسول اللّه :
إنك تداعبنا . فقال : « إني وإن داعبتكم لا أقول إلا حقا » . وقال عطاء : إن رجلا سأل ابن عباس أكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يمزح ؟ فقال : نعم . قال : فما كان مزاحه ؟ قال : كان
شرح
تفرط فيه وتقتصر عليه أحيانا على الندور ) والقلة ، ( فلا حرج عليك ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة ) وصنعة ( يواظب عليه ويفرط فيه ، ثم يتمسك بفعل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ) ويقول : أنا مقتد به ( وهو كمن يدور نهاره ) اجمع من الزنوج والحبشة ( ينظر إليهم وإلى رقصهم ) ولعبهم ( ويتمسك بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أذن لعائشة ) رضي اللّه عنها ( في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد ) كما تقدم في كتاب السماع يقال : هو يوم عيد فطر ، ( وهو خطأ إذ من الصغائر ما يصير كبيرة بالإصرار ) عليه ، فلا ينبغي أن يغفل عن هذا .
( نعم روى أبو هريرة ) رضي اللّه عنه فيما رواه الترمذي في السنن ، وفي الشمائل وحسنه وقال رجاله موثقون ( أنك تداعبنا . قال : « إني وإن داعبتكم لا أقول إلا حقا ) والمداعبة هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره ، وكأنهم قصدوا بذلك إما السؤال عن المداعبة هل هي من خواصه فلا يتأسون به فيها فبين لهم أنها ليست من خواصه وأن جوازها منوط بقول الحق ، وأما استبعادهم وقوع المزاح منه صلّى اللّه عليه وسلم لجليل مكانته وعظيم مرتبته ، فكأنهم سألوه عن حكمته فأجابهم .
قال ابن حجر المكي في شرح الشمائل : وهذا أولى من قول الطيبي فكأنهم أنكروه فردّ عليهم من باب القول بالموجب ، فإن المداعبة لا تنافي الكمال بل هي من توابعه ومتمماته إذا كانت جارية على القانون الشرعي بأن يكون على وفق الصدق والحق ويقصد تألف قلوب الضعفاء وجبرهم وإدخال السرور عليهم والرفق بهم ، والمنهي عنه في الحديث السابق من رواية الترمذي « لا تمار أخاك ولا تمازحه » إنما هو الإفراط فيها والدوام عليها لأنه يورث آفات كثيرة ظاهرة وباطنة من القسوة والغفلة والإيذاء وإيراث الحقد وإسقاط المهابة وغير ذلك ، ومزاحه صلّى اللّه عليه وسلم سالم من جميع هذه الأمور يقع منه على جهة الندرة لمصلحة تامة من مؤانسة بعض أصحابه ، فهو بهذا القصد سنّة ، وما قيل أن الأظهر أنه مباح لا غير فضعيف إذا الأصل من أفعاله صلّى اللّه عليه وسلم وجوب أو ندب للتأسي به فيها إلا لدليل يمنع من ذلك ، ولا دليل هنا يمنع منه فتعين الندب كما هو مقتضى كلام الفقهاء والأصوليين .
( وقال عطاء ) بن أبي رباح : ( إن رجلا سأل ابن عباس ) رضي اللّه عنه ( فقال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يمزح ؟ قال : نعم . قال : فما كان مزاحه ؟ قال : كان مزاحه أنه صلّى اللّه عليه وسلم كسا