إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 122
وذكر بعد قوله : ثم لزمت بيتها وأخذت في العبادة . قال : فكانت إذا أجهدها الأمر تدعو بكتابه فتضعه على عينها فيقال لها وهل يغني هذا شيئا ؟ فتقول : وهل لي دواء غيره ، وكان إذا جن عليها الليل قامت إلى محرابها فإذا صلت قالت : يا وارث الأمر هب لي منك مغفرة * وحل عني هوى ذا الهاجر الداني وانظر إلى خلتي يا مشتكي حزني * بنظرة منك تجلو كل أحزاني قال : فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمدا ثم قال : وقال لنا الشيخ أبو القاسم الأزجي رحمه اللّه تعالى : ووجدت في نسخة زيادة مسموعة عن الزبيبي شيخنا رحمه اللّه تعالى قال : ثم أن الجارية لم تلبث أن بليت ببلية في جسمها ، فكان الطبيب يقطع من لحمها أرطالا ، فكان الطبيب قد عرف حديثها مع الفتى فكان إذا أراد أن يقطع لحمها يحدثها بحديث الفتى ، فما كانت تجد لقطع لحمها ألما ولا كانت تتاوّه فإذا سكت عن ذكره تأوّهت . قال : فلم تزل كذلك حتى ماتت كمدا رحمة اللّه عليها . خاتمة : [ معنى الصوم ] قال صاحب القوت : فأما الصوم فليس عندهم هو الجوع المقصود لإسكان النفس وإخماد الطبع ، لأن الصوم يصير عادة ويرجع الصائم إلى قوّة طبعه إذا أفطر ، فأما إذا كان يصوم ويفطر على الشهوات أو يمتلئ من الأكل . فإن صوم هذا لا يزيده إلا قوة طبع وظهور نفس وتفتق عليه الشهوات ويدخل عليه الفتور عن الطاعات ويجلب عليه الكسل والشبهات ، وربما قوي طبعه جملة واحدة وظهرت عليه نفسه بقوّة مجملة إلا أنه لا يجري في نهاره إلا فيما أجريت عادته عليه وجعل حاله فيه من أبواب الدنيا والتنقل في الهوى ، وإن كان ظاهر أحواله أسباب الآخرة عنده لقصور علمه فإن حشوها الدنيا فالتقلل وأخذ البلغة من القوت في الأوقات مع الإفطار أصلح لقلب هذا وأدوم لعلمه وأبلغ في آخرته من مثل هذا الصوم ، لأن هذا الذي وصفناه عادة أبناء الدنيا المترفهين ليس بصوم أهل الآخرة الزاهدين ولكن بالتقلل والطيّ وترك الشهوات واجتناب الشبهات تنكسر النفس وتذل ويخمد الطبع وتضعف الصفة عن العادة وتقوى إرادة الآخرة ويعمل المريد في سعيها وتخرج حلاوة الدنيا من القلب فيصير العبد من الجوع والطيّ وترك الترهات كأنه زاهد . وقيل لأبي يزيد البسطامي رحمه اللّه تعالى ، وهو أعلى هذه الطائفة إشارة بأي شيء نلت هذه المعرفة ؟ قال : ببطن جائع وجسد عار . وفي الخبر الإسرائيلي أن عيسى عليه السلام ظهر له إبليس فرأى عليه معاليق من ألوان الاصباغ من كل شيء فقال له : ما هذه المعاليق ؟ قال : هذه شهوات بني آدم . فقال : فهل لي فيها