تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
رآها من بعيد أراد الرجوع لمنزله كيلا يراها . فقالت : يا فتى لا ترجع فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبدا إلا غدا بين يدي اللّه تعالى ، ثم بكت بكاء شديدا وقالت : أسأل اللّه الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك ، ثم إنها تبعته وقالت : امنن عليّ بموعظة أحملها عنك ، وأوصني بوصية أعمل عليها . فقال لها : أوصيك بحفظ نفسك من نفسك وأذكرك قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ
[ الأنعام : 60 ] قال : فأطرقت وبكت بكاء شديدا أشد من بكائها الأول ، ثم أنها أفاقت ولزمت بيتها وأخذت في العبادة فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمدا ، فكان الفتى يذكرها بعد موتها ثم يبكي فيقال له : مم بكاؤك وأنت قد أيأستها من نفسك ؟ فيقول : إني قد ذبحت طمعها في أول أمرها وجعلت قطيعتها ذخيرة لي عند اللّه تعالى فأنا أستحيي منه أن استرد ذخيرة أدخرتها عنده تعالى .
شرح
الكتاب ، ( ثم إنها جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على الطريق ) الذي يسلكه العابد إلى المسجد ، ( فلما رآها من بعيد أراد الرجوع لمنزله لئلا يراها فقالت له : يا فتى لا ترجع فلا كان الملتقي بعد هذا اليوم إلا بين يدي اللّه تعالى ) غدا ( ثم بكت بكاء شديدا وقالت : أسأل اللّه الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك ، ثم أنها تبعته وقالت : امنن عليّ بموعظة أحملها عنك وأوصني بوصية أعمل عليها . قال : أوصيك بحفظ نفسك من نفسك ) المراد بالنفس الأول الذات ، وبالثاني الامارة أي حفظ ذاتك من شرها ، ( وأذكرك قوله تعالى :وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِقال : فأطرقت وبكت بكاء شديدا أشد من بكائها الأول ثم أنها أفاقت ) من بكائها ورجعت إلى موضعها ، ( ولزمت بيتها وأخذت في العبادة ) وجدّت فيها ، ( فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمدا فكان الفتى يذكرها بعد موتها ثم يبكي فيقال له : مم بكاؤك وأنت قد أيستها من نفسك فيقول : إني قد ذبحت طمعي منها في أول أمرها وجعلت قطيعتها ذخيرة لي عند اللّه ، وأنا استحيي أن أسترد ذخيرة ادخرتها عنده تعالى ) هكذا أخرج هذه القصة الإمام أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج في كتاب مصارع العشاق قال : أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن شكر قال : حدثنا أبو الحسن علي بن عبد اللّه الهمداني بمكة . حدثنا إبراهيم بن علي ، حدثنا محمد بن جعفر الكاتب ، عن محمد بن الحسين البرجلاني قال : أخبرني أحمد بن سعيد العابد عن أبيه قال : كان عندنا بالكوفة فساقها إلى آخرها . وفيها بعض زيادات نشير إليها منها بعد قوله ثم أنها أفاقت فقالت :واللّه ما حملت أنثى ولا وضعت * أنسا كمثلك في مصري وأحيائيوذكر أبياتا آخرها قولهالا لبسن لهذا الأمر مدرعة * ولا ركنت إلى لذات دنيائي