تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
الأعضاء والحواس للقلب يشبه من وجه تسخير الملائكة للّه تعالى ، فإنهم مجبولون على الطاعة لا يستطيعون له خلافا بل لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وإنما يفترقان في شيء وهو أن الملائكة عليهم السلام عالمة بطاعتها وامتثالها والأجفان تطيع القلب في الانفتاح والانطباق على سبيل التسخير ولا خبر لها من نفسها ومن طاعتها للقلب ، وإنما افتقر القلب إلى هذه الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره الذي لأجله خلق وهو السفر إلى اللّه سبحانه وقطع المنازل في لقائه فلأجله خلقت القلوب . قال اللّه تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] وإنما مركبه البدن وزاده العلم ، وإنما الأسباب التي توصله إلى الزاد وتمكنه من التزوّد منه هو العمل الصالح وليس يمكن العبد أن يصل إلى اللّه سبحانه ما لم يسكن البدن ولم يجاوز الدنيا ، فإن المنزل الأدنى لا بدّ من قطعه للوصول إلى المنزل الأقصى ، فالدنيا مزرعة الآخرة وهي منزل من منازل الهدى ، وإنما سميت دنيا لأنها أدنى المنزلتين فاضطر إلى أن يتزوّد من هذا
شرح
تسخر الملائكة للّه تعالى فإنهم جبلوا على الطاعة ) والانقياد ( لا يستطيعون له خلافا لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) به كما هو معلوم من شأنهم ، ( وإنما يفترقان في شيء وهو أن الملائكة عالمة بطاعتها وامتثالها والأجفان تطيع القلب في الانفتاح والانطباق على سبيل التسخر ولا خبر لها من نفسها ومن طاعتها القلب ، وإنما افتقر القلب إلى هذه الجنود من حيث افتقاره ) واحتياجه ( إلى المركب والزاد لسفره الذي لأجله خلق وهو السفر إلى اللّه تعالى وقطع المنازل إلى لقائه ) ومشاهدته ، ( فلأجله خلقت القلوب قال تعالىوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) والمراد بالعبادة هنا المعرفة ولا تتم المعرفة إلّا بالسفر إلى اللّه ، ( وإنما مركبه البدن وإنما زاده ) الذي يتزوّده من دنياه ( العلم ) النافع ، ( وإنما الأسباب التي توصله إلى الزاد وتمكنه من التزوّد منه العمل الصالح ) فالعمل الصالح ، وإن كان فرعا للعلم النافع في الحقيقة لكنه صار بمنزلة الأصل في استقرار العلم به كما قيل : هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ، ونقل صاحب الذريعة عن علي رضي اللّه عنه قال : الناس سفر والدنيا دار ممر لا دار مقر ، وبطن أمه مبدؤ سفره والآخرة مقصده ، وزمان حياته مقدار مسافته ، وسنوه منازله وشهوره فراسخه ، وأيامه أمياله ، وأنفاسه خطاه يسار به سير السفينة براكبها . كما قال الشاعر :رأيت أخا الدنيا وإن كان حاضرا * أخا سفر يسري به وهو لا يدري( وليس يمكن أن يصل العبد إلى اللّه تعالى ما لم يسكن البدن ) ويتزود من العلم والعمل ، ( ولا ) يصل ما ( لم يجاوز الدنيا ) بسفره منها ، ( فإن المنزل الأدنى لا بد من قطعه للوصول إلى المنزل الأقصى والدنيا مزرعة الآخرة ) قد تقدم الكلام عليه في كتاب العلم . ( وهي منزل من منازل الهدى ، وإنما سميت دنيا ) وهي تأنيث الأدنى ( لأنها أدنى المنزلتين ) من الدنو