تكلم جلساؤه ولا يتنازع عنده في الحديث ويعظ بالجد والنصيحة . يقول : « لا تضربوا القرآن بعضه ببعض فإنه أنزل على وجوه » وكان أكثر الناس تبسما وضحكا في وجوه أصحابه وتعجبا مما تحدثوا به وخلطا لنفسه بهم ، ولربما ضحك حتى تبدو نواجذه ،
شرح
البخاري من حديث عائشة ، ومن ذلك ما اتفقا عليه من حديثها في المرأة التي سألته عن الاغتسال من الحيض « خذي فرصة ممسكة فتطهري بها » الحديث .
( وكان ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( إذا سكت تكلم جلساؤه ) كذا في سائر النسخ ، وبخط الحافظ ابن حجر إذا جلس ، ( ولا يتنازع عنده في الحديث ) أي لا يتخاصم فيه . رواه الترمذي في الشمائل في حديث علي الطويل « إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير فإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث » . أي ذلك من عظيم أدبهم في حضرته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وخضوعهم بين يديه وإجلالهم له وهيبته عندهم وتوقيرهم له لشهودهم عليّ شأنه وكمال مرتبته وتخلقهم بأخلاقه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ( ويعظ بالجد والنصيحة ) روى مسلم من حديث جابر « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم » الحديث ، ( ويقول « لا تضربوا القرآن بعضه ببعض » ) روى الطبراني من حديث عبد اللّه بن عمر ، وباسناد حسن أن القرآن يصدق بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض ، وفي رواية للهروي في ذم الكلام : إن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض ، وفي رواية له : « أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض » ( « فإنه نزل على وجوه » ) ففي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب : أن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف .
( وكان ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( أكثر الناس تبسما وضحكا في وجود أصحابه وتعجبا مما حدثوا به وخلطا لنفسه بهم ) روى الترمذي من حديث عبد اللّه بن الحرث بن جزء : ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وفي الصحيحين من حديث جرير ولا رآني إلا تبسم ، وللترمذي في الشمائل من حديث علي يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه . ولمسلم من حديث جابر بن سمرة كانوا يتحدثون في أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم ، ( ولربما ضحك حتى تبدو نواجذه ) أي أضراسه . وقيل : أربع آخر الأسنان كل منهم يسمى ضرس العقل لأنه لا ينبت إلا بعد البلوغ ، وقيل : أنيابه ، وقيل : ضواحكه وفي القاموس هي أقصى الأسنان أو الأنياب أو التي على الأنياب أو الأضراس . قيل : ضحكه وإلى أن يبدو آخر أسنانه بعيد من شيمته . فلذا قيل : المراد المبالغة في كون ضحكه هذا فوق ما كان يصدر ، ويؤيده قول الجوهري حتى بدت نواجذه إذا استغرب منه ، قد جاء ذلك في المتفق عليه من حديث ابن مسعود في قصة آخر من يخرج من النار ، وفي قصة الحبر الذي قال : إن اللّه يضع السماوات على إصبع ، ومن حديث أبي هريرة في قصة المجامع في رمضان وغير ذلك ، وفي كل ذلك دليل على أن الضحك في مواطن التعجب سيما ما هو في مثل تعجبه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يكره ولا يخرم المروءة إذا لم يجاوز به الحد المعتاد ، وقد تقدم الكلام عليه قريبا .