الحمد للّه الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه وترتيبه ، وأدب نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فأحسن تأديبه ، وزكى أوصافه وأخلاقه ثم اتخذه صفيه وحبيبه ، ووفق للاقتداء به من أراد تهذيبه ، وحرم عن التخلق بأخلاقه من أراد تخييبه ، وصلى اللّه على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلّم كثيرا .
أما بعد : فإن آداب الظواهر عنوان آداب البواطن وحركات الجوارح ثمرات الخواطر والأعمال نتيجة الأخلاق والآداب رشح المعارف وسرائر القلوب وهي مغارس
شرح
( الحمد للّه الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه وترتيبه ) أي جعل كل شيء في مرتبته وهو المعبر عنه بالإحسان أشار به إلى قوله تعالى : الذيخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً[ الفرقان :
2 ] أي حده بحده الذي يوجد من حسن وقبح ونفع وضر وغيرهما حسبما اقتضت حكمته ، ( وأدب نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ) بأن أعطاه رياضة النفس وحلاه بأحسن الأخلاق .
أخرج العسكري في الأمثال من طريق النسائي عن أبي عمارة عن علي رضي اللّه عنه قال : قدم بنو نهد بن زيد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : أتيناك من غوراء تهامة وذكر خطبتهم وما أجابهم النبي .
قال : فقلنا يا نبي اللّه نحن بنو أب واحد ونشأنا في بلد واحد وإنك لتكلم العرب بلسان ما نفهم أكثره ، فقال : « إن اللّه عز وجل أدبني فأحسن تأديبي ونشأت في بني سعد بن بكر » . والسدي ضعيف .
هذا : وفي أدب الإملاء لأبي سعيد بن السمعاني من حديث ابن مسعود رفعه : « إن اللّه أدبني فأحسن تأديبي ثم أمرني بمكارم الاخلاق » وسنده منقطع ، وفي الدلائل لثابت السرقسطي أن أبا بكر رضي اللّه عنه قال : يا رسول اللّه ما رأيت أنعم منك فمن أدبك ؟ قال : « أدبني ربي ونشأت في بني سعد » .
( وزكى أوصافه ) الدالة على ذاته أي نماها ( وأخلاقه ) الباطنة أي طهرها بحيث صدرت عنها الأفعال الحسنة بسهولة ، ( ثم اتخذه صفيه ) أي مختاره من خلقه ( وحبيبه ) وخليله ( ووفق للاقتداء به ) أي اتباع طريقته ( من أراد تهذيبه ) أي هدايته وخلوصه من الردى ( وحرم التخلق بأخلاقه ) أي منع عنه ( من أراد ) أي سبق في إرادته الأزلية ( تخييبه ) أي تخسيره وإضلاله واكتفي عن جملة الصلاة بما تقدم له في أوله من ذكره في الفقرة الثانية بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم .
( أما بعد : فإن آداب الظواهر عنوان آداب البواطن ) عنوان كل شيء بالضم ما يستدل به عليه ويضمر ، والمعنى أن البواطن يستدل عليها بالظواهر فإن كانت جارية على وفق الاستقامة فالظواهر تتبعها ، ( وحركات الجوارح ) الظاهرة ( ثمرات الخواطر ) الباطنة إن حسنا فحسنا وإن سيئا فسيئا ( والأعمال نتيجة الاخلاق ) فإن الخلق بالضم عبارة عن هيئة راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير حاجة إلى فكر وروية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلا