والهة حيرى ، فلم يروا في الكونين شيئا سواه ، ولم يذكروا في الدارين إلا إياه ، إن سنحت لأبصارهم صورة عبرت إلى المصوّر بصائرهم ، وإن قرعت أسماعهم نغمة سبقت إلى المحبوب سرائرهم ، وإن ورد عليهم صوت مزعج أو مقلق أو مطرب أو محزن أو مبهج أو مشوق أو مهيج لم يكن إنزعاجهم إلا إليه ، ولا طربهم إلا به . ولا قلقهم إلا عليه ، ولا حزنهم إلا فيه ولا شوقهم إلا إلى ما لديه ، ولا انبعاثهم إلا له ولا ترددهم إلا حواليه . فمنه سماعهم ، وإليه استماعهم ، فقد أقفل عن غيره أبصارهم وأسماعهم ، أولئك الذين اصطفاهم اللّه لولايته ، واستخلصهم من بين أصفيائه وخاصته . والصلاة على محمد
شرح
وسبّحانه : عظمته ونوره وبهاؤه ( والهة ) أي مغيبة ( حيرى ) جمع حائر أي متحيرة ، ( فلم يروا في الكونين ) هما عالم الغيب والشهادة ( شيئا سواه ) أي لم يعتقدوا أو لم يقع بصرهم على شيء إلا رأوه قبله ، ( ولم يذكروا في الدارين ) أي الدنيا والآخرة ( إلا إياه )قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ[ الأنعام : 91 ] ( إن سنحت ) أي عرضت ( لأبصارهم صورة ) جسيمة أو نوعية ( عبرت ) أي جاوزت ( إلى المصوّر ) لها جلّ وعز ( بصائرهم ) وهذا هو الاعتبار المشار إليه بقولهفَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ[ الحشر : 2 ] ( وإن قرعت أسماعهم نغمة ) أي جرس من الكلام أو حسن الصوت في القراءة ( سبقت إلى المحبوب سرائرهم ) أي خواطر نفوسهم ، ( وإن ورد عليهم صوت مزعج ) يقال أزعجه من مكانه إزعاجا أزاله ( أو مقلق ) وهو بمعناه يقال : أقلقه إذا أزعجه والقلق الاضطراب ( أو مطرب ) من الطرب محركة خفة تصيبه لشدة حزن أو سرور . قال في المصباح : والعامة تخصه بالسرور ( أو محزن ) من الحزن بالضم الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فوات محبوب في الماضي ويضاده الفرح ( أو مهيج ) أي مثير من أهاج أو هيج للمبالغة ( أو مشوّق ) من الشوق وهو نزاع النفس إلى الشيء وقد شاقه إليه وشوّقه ( لم يكن إنزعاجهم إلا إليه ) قال بعض أئمة اللغة : لا يقال في مطاوع أزعجه فانزعج . وقال الخليل :
لو قيل كان صوابا ، واعتمده الفارابي فقال : أزعجته فانزعج ، والمشهور أزعجته فشخص ، ( ولا طربهم إلا به ولا قلقهم إلا عليه ، ولا حزنهم إلا فيه ) أي لأجله ، ( ولا شوقهم إلا إلى ما لديه ) من النعيم الأبدي ، ( ولا انبعاثهم ) أي حركتهم ( إلّا له ) خاصة كما هو شأن المخلصين ، ( ولا ترددهم إلا حواليه ) بفتح اللام على الظرفية أي حوالي كرمه وفضله إذ هو تعالى منزه عن الجهات الست ، ( فمنه سماعهم وإليه استماعهم ) وفي الحديث القدسي إشارة إلى ذلك حيث يقول : ( ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع وبصره الذي به يبصر ) الحديث . ( فقد أقفل عن غيره أبصارهم وأسماعهم ) أي حجبت أبصارهم عن النظر لسواه وأسماعهم عن الاستماع من غيره . ( أولئك الذين اصطفاهم اللّه ) أي اختارهم ( لولايته ) وهي قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه ( واستخلصهم ) أي ميزهم ( من بين أصفيائه وخاصته ) فهم خلاصة الخلاصة وصفوة الخاصة . ( والصلاة ) الكاملة