تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
بالأصحاب وأسرعهم إلى الايثار وطلب الموافقة ، وإنما يحتاج إلى الأمير لأن الآراء تختلف في تعيين المنازل والطرق ومصالح السفر ، ولا نظام إلا في الوحدة ولا فساد إلا في الكثرة ، وإنما انتظم أمر العالم لأن مدبر الكل واحد
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] ، ومهما كان المدبر واحدا انتظم أمر التدبير ، وإذا كثر المدبرون فسدت الأمور في الحضر والسفر ، إلا أن مواطن الإقامة لا تخلو عن أمير عام كأمير البلد وأمير خاص كرب الدار . وأما السفر فلا يتعين له أمير إلا بالتأمير . فلهذا وجب التأمير ليجتمع شتات الآراء ثم على الأمير أن لا ينظر إلا لمصلحة القوم وأن يجعل نفسه وقاية لهم . كما نقل عن عبد اللّه المروزي أنه صحبه أبو علي الرباطي فقال : على أن تكون أنت الأمير أو أنا ، فقال : بل أنت ، فلم يزل يحمل الزاد لنفسه ولأبي علي على ظهره فأمطرت السماء ذات ليلة فقام عبد اللّه طول الليل على رأس رفيقه وفي يده كساء يمنع عنه المطر ،
شرح
بالأصحاب وأسرعهم إلى الإيثار ) والبذل ( وطلب الموافقة ) فإذا أمر فليطيعوه ولا يخالفوه ( وإنما يحتاج إلى الأمير ) في السفر ( لأن الآراء تختلف في تعيين المنازل والطرق ) بحسب البعد والقرب والأمن والخوف ( ومصالح السفر ، ولا نظام إلا من الوحدة ولا فساد إلا من الكثرة ) ولفظ القوت . والسياحة لا تحسن إلا على الانفراد والوحدة فإن اتفق ثلاثة في سياحة بقلب واحد وهم واحد على حال واحد فهم كعبد واحد فهو حسن وفيه معاونة على البر والتقوى ، ( وإنما انتظم أمر العالم لأن مدبر الكل واحد ) لا يشاركه أحد ( و ) إليه الإشارة بقوله جل وعز :( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا )وتوضيح هذا المقام قد مر في كتاب قواعد العقائد ( ومهما كان المدبر واحدا انتظم التدبير ) وارتفع التعسير ، ( وإذا كثرت المدبرون فسدت الأمور في الحضر والسفر ) وإنما يخشى من التلف في البحر إذا كان في السفينة مدبران ( إلا أن مواطن الإقامة لا تخلو عن أمير عام ) يدير أمر العامة بالسياسة الشرعية كأمير البلد ( أو أمير خاص كرب الدار ، وأما السفر فلا يتعين له أمير إلا بالتأمير ) من عند أنفسهم ، ( فلهذا وجب التأمير ليجمع شتات الآراء ) في أمر المنازل والطرق ويتكلم على مصالح السفر ، ( ثم على الأمير ) إن أمره القوم ( أن لا ينظر إلا لمصلحة القوم ) أي ما يصلح به حالهم ( وأن يجعل نفسه وقاية لهم ) إن عرضت مشقة ( كما نقل عن عبد اللّه المروزي أنه صحبه أبو علي الرباطي ) وكان المروزي من عادته أنه يدخل البادية بلا زاد ولا راحلة ( فقال ) الرباطي لما صحبه : ( على أن تكون أنت الأمير أو أنا ) ولفظ الرسالة أيما أحب إليك أن تكون أنت الأمير أو أنا ، ( فقال ) : لا ( بل أنت ) فقال : وعليك الطاعة لي . قال : نعم ( فلم يزل يحمل الزاد لنفسه ولأبي علي على ظهره ) ولفظ الرسالة فأخذ مخلاة ووضع فيها زادا فحمله على ظهره ، فإذا قلت أعطني أحمله . قال : الأمير أنا وعليك الطاعة ، ( فأمطرت السماء ذات ليلة فقام عبد اللّه طول الليل على رأس رفيقه وفي يده كساء ) أرخاه عليه من سائر جهاته ( يمنع عنه