ثبتت هذه التشديدات فالقاضي والوالي ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أمه وأبيه فما كان يعطى بعد العزل وهو في بيت أمه يجوز له أن يأخذه في ولايته ، وما يعلم أنه إنما يعطاه لولايته فحرام أخذه ، وما أشكل عليه في هدايا أصدقائه أنهم هل كانوا يعطونه لو كان معزولا ؟ فهو شبهة فليجتنبه .
شرح
سالم بن محمد ، أخبرنا محمد بن أحمد بن علي ، أخبرنا أبو يحيى الأنصاري ، أخبرنا أبو الفضل أحمد ابن علي بن محمد العسقلاني ، أخبرنا إبراهيم ابن أحمد التنوخي ، أخبرنا أحمد بن أبي طالب ، أخبرنا ابن الزبيدي ، أخبرنا أبو الوقت ، أخبرنا الداودي ، أخبرنا الحموي ، أخبرنا الفريري ، حدثنا محمد ابن إسماعيل البخاري قال : باب هدايا العمال : حدثنا علي بن عبد اللّه ، حدثنا سفيان ، عن الزهري أنه سمع عروة قال : أخبرنا أبو حميد الساعدي قال : استعمل النبي صلّى اللّه عليه وسلم رجلا من بني أسد يقال له ابن اللتبية على صدقة ، فلما قدم قال : هذا لكم وهذا أهدي إليّ فقام النبي صلّى اللّه عليه وسلم على المنبر . قال سفيان أيضا : فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لكم وهذا لي ، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا ؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ، ثم رفع يديه حتى رأيتا عفرة إبطيه . ألا هل بلغت » ثلاثا . هذا الحديث متفق عليه .
وبوّب البخاري عليه في موضع آخر باب محاسبة الإمام عماله وفيه « فهلا جلست في بيت أبيك وأمك فتأتيك هديتك إن كنت صادقا » وفيه « فو اللّه لا يأخذ أحدكم منها شيئا بغير حقه إلا جاء اللّه يحمله يوم القيامة » . وكلا البابين في البخاري في كتاب الأحكام ، وذكره مرة ثالثة في كتاب الهبة كما تقدمت الإشارة إليه .
( وإذا ثبتت هذه التشديدات فالقاضي والوالي ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أبيه وأمه فما كان يعطى بعد العزل وهو في بيت أمه يجوز له أن يأخذه في ولايته ) أو للعمالة ، ( وما علم أنه إنما يعطاه لولايته فحرام أخذه ) . قال التقي السبكي في فصل المقال ، قال أصحابنا : لا يقبل القاضي الهدية ممن لم تكن له عادة بالهدية ولا ممن كانت له عادة ما دامت له خصومة ، فإن لم تكن له خصومة جاز له أن يقبل ، والأفضل أن لا يقبل . وقد أطلق الأصحاب فيما إذا كان له عادة قبل القضاء جواز القبول . قال ابن الرفعة : وهذا لعمري فيما إذا لم يكن ما تقدم من الإهداء إليه في حال ترشحه للقضاء وغلب على الظن حصوله عن قرب له ، بل كان ذلك لقرابة أو مودة . قال السبكي : قلت : وإذا فرض ذلك فينبغي أن يمتنع الشخص المترشح للولاية من قبول هدية من غلب على الظن إن هديته لذلك ويكون حكمها حكم الهدية للقاضي ، وحيث قلنا بجواز القبول للقاضي إذا كانت عادة متقدمة فالأولى أن لا يقبل ويسد على نفسه باب قبول الهدايا مطلقا .
( وما أشكل عليه من إهداء أصدقائه أنهم هل كانوا يهدون لو كان معزولا فهو شبهة فليجتنبه ) . قال الشافعي ، رحمه اللّه تعالى : وما أهدى له ذو رحمه ومودة كان يهاديه قبل الولاية