يوجب تحريما في مبيع اشتراه في الذمة ، ولكن يقتضي فيه كراهية دون الكراهية التي في الغصب ، وتتفاوت درجات هذه الرتبة أيضا بتفاوت غلبة المعصية على قابض الثمن وندوره ، ومهما كان العوض حراما فبذله حرام وإن احتمل تحريمه ، ولكن أبيح بظن فبذله مكروه وعليه ينزل عندي النهي عن كسب الحجام وكراهته . إذ نهى عنه عليه الصلاة والسلام مرات ثم أمر بأن يعلف الناضح . وما سبق إلى الوهم من أن سببه مباشرة
شرح
بالغلمان ، ( فهذا لا يوجب تحريما في بيع اشتراه في الذمة ولكن يقتضي فيه كراهية دون الكراهة التي في الغصب ) ونحوه ، ( وتتفاوت درجات هذه الرتبة أيضا بتفاوت غلبة المعصية على قابض الثمن وندورها ) أي قلتها ، ( ومهما كان العوض عملا حراما فبذله حرام فإن احتمل تحريمه ) أي فإن كان تحريمه محتملا ( ولكن أبيح بظن فبدله مكروه وعليه ينزل عندي النهي ) الوراد ( في كسب الحجام وكراهته ) .
قال العراقي : حديث النهي عن كسب الحجام وكراهته رواه ابن ماجة من حديث ابن مسعود الأنصاري ، والنسائي من حديث أبي هريرة باسنادين صحيحين « نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن كسب الحجام » وللبخاري من حديث أبي حنيفة « نهي عن ثمن الدم » ولمسلم من حديث رافع بن خديج « كسب الحجام خبيث » اه .
قلت : ورواه أيضا أحمد من حديث أبي هريرة كسياق النسائي . قال الهيتمي : رجاله رجال الصحيح ، ولفظ البخاري من حديث أبي حجيفة في باب ثمن الكلب « نهي عن ثمن الكلب وثمن الدم وكسب البغي » وانفرد به عن الستة أي لم يخرجه هكذا بجملته غيره ، وعزاه بعضهم لمسلم وهو خطأ . ولفظ مسلم من حديث رافع بن خديج « ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث » وكذا رواه أيضا أحمد وأبو داود والترمذي ( إذا ) قد ( نهى عليه ) الصلاة و ( السلام عنه مرات ثم أمر بأن يعلف الناضح ) وهو في الأصل البعير الذي يحمل الماء من النهر أو البشر يستقي به ، ثم استعمل في كل بعير وإن لم يحمل الماء .
قال العراقي : رواه أبو داود والترمذي وحسّنه وابن ماجة من حديث محيصة أنه استأذن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في إجارة الحجام فنهاه عنها ، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال « اعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك » وفي رواية لأحمد لأنه زجر عن كسبه فقال : ألا أطعمه أيتاما لي ؟ قال « لا » . قال : أفلا تصدق ؟ قال « لا » فرخص له أن يعلفه ناضحه اه .
قلت : ورواه ابن منده في كتاب المعرفة من طريق حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه عن جده محيصة بن مسعود أنه كان له غلام يقال له أبو طيبة فكسب كسبا كثيرا ، فلما نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن كسب الحجام استشار رسول اللّه فيه فأبى عليه فلم يزل يكلمه ويذكر له الحاجة حتى قال :
« ليكن كسبه في بطن بهيمتك » .