وطلب بعض الأمراء من بعض العلماء المحبوسين عنده أن يناوله طينا ليختم به الكتاب فقال : ناولني الكتاب أولا حتى أنظر ما فيه ، فهكذا كانوا يحترزون عن معاونة الظلمة ومعاملتهم أشد أنواع الإعانة ، فينبغي أن يجتنبها ذوو الدين ما وجدوا إليه سبيلا .
وبالجملة ؛ فينبغي أن ينقسم الناس عنده إلى من يعامل ومن لا يعامل ، وليكن من يعامله أقل ممن لا يعامله في هذا الزمان ، قال بعضهم : أتى على الناس زمان كان الرجل يدخل السوق ويقول : من ترون لي أن أعامل من الناس ؟ فيقال له : عامل من شئت ، ثم أتى زمان آخر كانوا يقولون عامل من شئت إلا فلانا وفلانا ، ثم أتى زمان آخر فكان يقال :
شرح
الورع ، وكان الثوري يقول : يقال يوم القيامة ليقم ولاة السوء وأعوانهم . قال : فمن لاق لهم دواة أو برى لهم قلما أو حمل إليهم مدادا أو أعانهم على أمر فهو معهم .
( وطلب بعض الأمراء من بعض العلماء المحبوسين عنده أن يناوله طينا ليختم به كتابا ) ولفظ القوت : وكان بعض العلماء قد حبس في ديوان بعض الأمراء فكتب الأمير كتابا فقال له الأمير : ناولني الطين حتى أختم به الكتاب ، ( فقال ) ذلك العالم : ( ناولني الكتاب أوّلا حتى أنظر فيه ) وليس في القوت أوّلا قال ولم يناوله ، ( فهكذا كانوا يحترزون عن معاونة الظلمة ) ويفرون منها . وقد قيل في تفسير قوله تعالىاحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ[ الصافات : 22 ] أي أشباههم وأعوانهم ، ( ومعاملتهم أشد أنواع الإعانة ، فينبغي أن يجتنبه ذوو الدين ما وجدوا إليه سبيلا ) . ومما يلحق بمعاونتهم معاونة من يعاملهم كالخياط والجزار والحداد وغيرهم ، فمن باع لهم شيئا فقد أعانهم ، وقد تقدم أن رجلا جاء إلى ابن المبارك فقال : إني خياط فربما خطت شيئا لبعض وكلاء السلطان ، فما ذا ترى أكون من أعوان الظلمة ؟ فقال : لست من أعوان الظلمة بل أنت من الظلمة إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الإبر والخيوط . وفي القوت :
واستحب له أن يتوخى في البيع والشراء ويتحرى أهل التقوى والدين ، ويسأل عمن يريد أن يبايعه ويشاريه ، وأكره له معاملة من لا يتورع من الحرام أو من الغالب على ماله الشبهات .
وحدثنا عن محد بن شيبة قال : كتب غلام ابن المبارك إليه إنّا نبايع أقواما يبايعون السلطان ، فكتب إليه ابن المبارك : إذا كان الرجل يبايع السلطان وغيره فبايعه ، وإذا قضاك شيئا فاقبض منه إلا أن يقضيك شيئا تعرفه بعينه حراما ، فلا تأخذه ، وإذا كان لا يبايع إلا السلطان فلا تبايعه .
( وبالجملة : فينبغي أن ينقسم الناس عنده إلى من يعامل ، ومن لا يعامل ، وليكن من يعامله أقل ممن لا يعامله في هذا الزمان . قال بعضهم ) : ولفظ القوت : وحدثنا بعض الشيوخ عن شيخ له من الخلف الصالح قال : ( أتى على الناس زمان كان الرجل يدخل السوق ويقول ) ولفظ القوت : يأتي على مشيخة الأسواق فيقول : ( من ترون لي أن أعامل من الناس ؟ فيقال : عامل من شئت ، ثم أتى على الناس زمان آخر كان يقال : عامل من شئت