نوافل العبادات والتخلي لها ، ولذلك قال بعضهم : التاجر الصدوق أفضل عند اللّه من المتعبد . وقد كان السلف يحتاطون في مثل ذلك حتى روي عن بعض الغزاة في سبيل اللّه أنه قال : حملت على فرسي لأقتل علجا فقصر بي فرسي فرجعت ثم دنا مني العلج فحملت ثانية فقصر فرسي فرجعت ، ثم حملت الثالثة فنفر مني فرسي وكنت لا أعتاد ذلك منه فرجعت حزينا وجلست منكس الرأس منكسر القلب لما فاتني من العلج وما ظهر لي من خلق الفرس ، فوضعت رأسي على عمود الفسطاط وفرسي قائم فرأيت في النوم كأن الفرس يخاطبني ويقول لي : باللّه عليك أردت أن تأخذ على العلج ثلاث مرات وأنت بالأمس اشتريت لي علفا ودفعت في ثمنه درهما زائفا لا يكون هذا أبدا ، قال :
فانتبهت فزعا فذهبت إلى العلّاف وأبدلت ذلك الدرهم ، فهذا مثال ما يعم ضرره ، وليقس عليه أمثاله .
شرح
العبادات وأكثر ) ثوابا ( من التخلي لها ) لقصور منافعها على النفس ، ( فلذلك قال بعضهم ) هو إبراهيم النخعي : ( التاجر الصدوق أفضل من المتعبد ) قال : لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان ، ومن طريق الأخذ والعطاء فيجاهده ، والصدوق بناء مبالغة من الصدق ، فالمراد التاجر الذي كثر تعاطيه الصدق مع تحري الأمانة والديانة والنصح للخلق ، فهو أفضل من الذي يتعبد اللّه وينفع نفسه وحده ، وقد وردت في حق التاجر الصدوق الأمين أخبار تقدم ذكرها قبل ذلك ، ( وقد كان السلف يحتاطون ) أي يعملون بالاحتياط ( في مثل ذلك حتى روي عن بعض الغزاة في سبيل اللّه ) ولفظ القوت : حدثني بعض العلماء عن بعض الغزاة في سبيل اللّه عز وجل ( قال : حملت على فرسي لأقتل ) ولفظ القوت : لأتناول ( علجا ) هو بكسر العين الرجل الضخم من كفار العجم ، وبعض العرب يطلق العلج على الكافر مطلقا والجمع علوج واعلاج كذا في المصباح ، ( فقصر فرسي ) أي لم أتناوله لتقصير فرسي عن الوصول إليه ، ( فرجعت ثم دنا مني العلج فحملت ) حملة ( ثانية ) لأتناوله ( فقصر فرسي ) كالأولى ، ( فرجعت ثم حملت ) المرة ( الثالثة ) وقد دنا مني ( فنفر مني فرسي ) ولفظ القوت : فنفر بي فرسي ، ( وكنت لا أعتاد ذلك ) ولفظ القوت : ولم أكن أعتاد ذلك ( منه فرجعت حزينا ) أي محزونا ، ( وجلست ) إلى جنب فسطاطي ( منكس الرأس ) أي خافضه ( منكسر القلب لما فاتني من العلج ) أي من تناوله وأخذه ، ( ومما ظهر لي من خلق الفرس ) أي عدم إطاعته لي ( فوضعت رأسي على عمود الفسطاط ) فنمت ( وفرسي قائم ) بين يدي ، ( فرأيت في النوم وكأن الفرس يخاطبني ويقول لي : باللّه عليك أردت أن تأخذ عليّ ) أي على ظهري ( العلج ثلاث مرات وأنت بالأمس اشتريت لي علفا ودفعت في ثمنه درهما زائفا ) أي مغشوشا ( لا يكون هذا أبدا ) لا يتم مطلوبك وفعلك هذا أبدا ( قال : فانتبهت ) من النوم ( فزعا ) لما رأيت ( فذهبت إلى العلّاف ) الذي اشتريت منه العلف فقلت : اخرج إليّ الدراهم التي اشتريت بها