تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
العقد الخامس : القراض : وليراع فيه ثلاثة أركان :
شرح

العقد الخامس : القراض

هو والمضاربة لفظان يستعملان في عرف الفقهاء في عقد ، وهو أن يدفع إنسان مالا إلى غيره ليتجر فيه على أن يكون الربح بينهما على حسب ما يشترط ، والمشهور أن القراض لغة أهل الحجاز مأخوذ من القرض وهو القطع سمي به لأن المالك اقتطع قطعة من ماله ودفعها إلى العامل ، أو من المقارضة وهي الموازنة من قارض الشاعر الشاعر إذا وازن كل واحد صاحبه بشعره ، فالمالك مقارض والعامل مقارض ، والمضاربة لغة أهل العراق وسمي هذا العقد مضاربة إما لأن كل واحد منهما يضرب في الربح بسهم ، وإما لما فيه من الضرب بالمال والتقليب ، واحتجوا لهذا العقد بإجماع الصحابة رضوان اللّه عليهم ، ولا بدّ للإجماع من سند وسنده أنهم في زمانه صلّى اللّه عليه وسلم وبعده رأوا هذه المعاملة شائعة بين المعاملين وتحققوا التقرير عليها شرعا ، وأجمعوا على ذلك فصار مجمعا عليه ، وذكر الشافعي من اختلاف العراقيين أن أبا حنيفة رحمه اللّه تعالى روى عن حميد بن عبد اللّه بن عبيد الأنصاري عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أعطى مال يتيم مضاربة فكانت تعمل به في العراق ، وروي أنّ عبد اللّه وعبيد اللّه ابني عمر بن الخطاب لقيا أبا موسى بالبصرة في منصرفهما من غزوة نهاوند فتسلفا منه مالا وابتاعا به متاعا وقدما المدينة فباعاه وربحا فيه ، فأراد عمر رضي اللّه عنه أخذ رأس المال والربح كله ، فقالا : لو تلف كان ضمانه علينا فكيف لا يكون ربحه لنا ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا ، فقال : قد جعلته وأخذ منهما ربح النصف ، فكلام عبد الرحمن مشعر بأن القراض كان مشهورا بينهم . قال الشيخ : وأظهر ما ذكره الأصحاب في مجمل القصة ما قاله ابن سريج أن ما جرى كان قرضا صحيحا ، وكان الربح ورأس المال لهما ، لكن عمر رضي اللّه عنه استنزلهما عن بعض الربح واستطاب أنفسهما ولم يخالفاه ، كما استطاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنفس الغانمين عن سبايا هوازن لما أراد ردّها عليهم بعد قسمتها وجريان ملك الغانمين فيها . وقال العلماء : ما جرى كان قرضا فاسدا لأن أبا موسى شرط عليهما رد المال بالمدينة ، فكان قرضا جرّ منفعة ، فيمكن أنهما اشتريا الأمتعة بعين رأس المال ، ويمكن أنهما اشتريا الأمتعة في الذمة ، فالملك مع الربح لهما ، لكن لما انفقا مال بيت المال في أثمان الأمتعة رأى عمر استطابة أنفسهما عن بعض الربح . وعن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه أن عثمان رضي اللّه عنه أعطاه مالا مقارضة ، وأيضا عن علي وابن مسعود وابن عباس وجابر وحكيم بن حزام رضي اللّه عنهم تجويز المضاربة ، وأيضا فإن السنّة النبوية وردت ظاهرة في المساقاة ، وإنما جوّزت المساقاة من حيث الحاجة من حيث أن مالك النخيل قد لا يحسن تعهدها وقد لا يتفرغ ومن لا يحسن العمل قد لا يملك ما يعمل فيه ، وهذا المعنى لما كان موجودا في القراض قاسوه عليها وأجازوها ، وهذا المجموع مع شهرة ذلك بينهم يصلح أن يكون سندا للإجماع وسببا لإجماعهم وتلقي الأمة بالقبول دليل واضح على الإجماع هذا تقرير كلام أصحاب الشافعي رضي اللّه عنه .