المسافة ، وكل ما يثير خصومة في العادة فلا يجوز إهماله . وتفصيل ذلك يطول . وإنما ذكرنا هذا القدر ليعرف به جليات الأحكام ويتفطن به لمواقع الإشكال ، فيسأل فإن الاستقصاء شأن المفتي لا شأن العوام .
شرح
حصول الفائدة للميت دون نفسه ، وإن كان العمل بدنيا فإن ترتب الثواب وترتبه مبني على خلوص النية ، وأما قول الشيخ عبد الكريم فينتفع الميت إن أراد به أن ذلك الثواب يحصل مثل ذلك للميت وينتقل إليه بإهدائه له ، فهذا مبني على صحة انتقال المعاني من نفس إلى نفس أخرى ، فإن قلنا بصحته فذلك وإلا فإن أراد أنه يجعله له يحصل مثل ذلك للميت مع بقاء ذلك للقاري ، فهذا أيضا ممكن موجه ورحمة اللّه واسعة .
وأما الدواب ، فقد أشار إليه المصنف بقوله : ( وحمل الدواب يعرف بمقدار المحمول والمسافة ) قال في الوجيز : أما الدواب فإن استؤجر للركوب عرف الأجير الراكب برؤية شخصه أو سماع صفته في الضخامة والنحافة ليعرف وزنه تخمينا ويعرف المحمل بالصفة في السعة والضيق بالوزن ، فإن ذكر الوزن دون الصفة أو بالعكس ففيه خلاف ، ويعرف تفاصيل المعاليق فإن شرط المعاليق مطلقا فهو فاسد على النص لتفاوت الناس فيه خلافا لأبي حنيفة ومالك ، والمستأجر يعرف الدابة برؤيتها أو بوصفها إن أورد الإجارة على الذمة أهي فرس أم بغل أم ناقة أم حمار . وفي ذكر كيفية السير من كونه مهملجا أو بحرا خلاف ، ويعرف تفصيل السير والسرى ومقدار المنازل ومحل النزول أهو القرى أم الصحراء إذ لم يكن للعرف فيه ضبط ، فإن كان فالعرف متبع ، وإن استؤجر للحمل فيعرف قدره بالتحقيق إن كان حاضرا وإن كان غائبا فيتحقق الوزن بخلاف الراكب ، وإن كان في الذمة فلا يشترط وصف معرفة الدابة إلا إذا كان المنقول زجاجا أو يختلف الغرض بصفات الدابة ، ( وكل ما يظن من خصومة في العادة فلا يجوز إهمالها ) .
وأما الأراضي ، فلم يذكرها المصنف هنا ، ونصه في الوجيز : أما الأراضي فما يطلب للسكون يرى المستأجر مواضع الغرض فينظر في الحمام إلى البيوت وبئر الماء وبسط الثياب والأتون والوقود ويعرف قدر المنفعة بالمدة ، وإن آجر سنة فذاك وإن زاد فالأصح أنه جائز ولا ضبط ، ولو قال :
آجرتك الأرض ولم يعين للبناء والزراعة والغراس لم يجز فإنه مجهول ، ولو قال : لتنتفع به ما شئت جاز ، ولو قال : آجرتك للزراعة ولم يذكر ما يزرع ففيه خلاف لأن التفاوت فيه قريب ، ولو قال :
أكريتك ان شئت فازرعها وإن شئت فاغرسها جاز على الأصح ويتخير كما لو قال : انتفع ما شئت ، ولو قال : أكريتك فازرعها واغرسها ولم يذكر القدر فهو فاسد ، وقيل : إنه ينزل على النصف ، ولو اكترى الأرض للبناء وجب تعريف عرض البناء وموضعه وفي تعريف ارتفاعه خلاف ، ( وتفصيل ذلك يطول وإنما ذكرنا هذا القدر ليعرف به جليات الأحكام ويتفطن به لمواقع الإشكال فيسأل ) أهل العلم بذلك ( فإن الاستقصاء ) في المسائل ( شأن المفتي ) المتصدي لذلك ( لا شأن العوام ) فإنهم يكتفون بجليات الأحكام بمقتضى استعداداتهم واللّه أعلم .