قلبه فيها أعادها ثانية . وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم ، فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه ، ففي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلا له . فكيف يطلب الانس بالفكر في غيره وهو في منتزه ومتفرج . والذي يتفرج في المنتزهات لا يتفكر في غيرها ، فقد قيل : إن في القرآن ميادين وبساتين ومقاصير وعرائس وديابيج ورياضا وخانات فالميمات ميادين القرآن ، والراءات بساتين القرآن ، والحاءات مقاصيره ، والمسبحات عرائس القرآن ، والحامبمات ديابيج القرآن ، والمفصل
شرح
( وكان بعض السلف إذا قرأ سورة لم يكن قلبه فيها ) أي لم يحصل له حضور القلب عند تلاوتها ( أعادها ثانية ) ليكون قلبه بوصف كل كلمة يتلو مشاهدا لمعناها نقله صاحب القوت ( وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم ) للمتكلم ، ( فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس به ولا يغفل عنه ، ففي القرآن ما يستأنس به القلب ) وينشرح له الصدر ( إن كان التالي أهلا لذلك ) أهلية حقيقية ، ( فكيف يطلب الانس بالفكر في غيره وهو في متنزه ومتفرج ) والمتنزه على صيغة اسم المفعول البساتين والمواضع البعيدة عن المساكن ، والمتفرج على وزنه أعم من ذلك . ( والذي يتفرج في المتنزهات لا يتفكر في غيرها ) فإنه إليها نهاية الأطماع ، ( فقد قيل : إن في القرآن ميادين ) جمع ميدان بالكسر وهو الموضع المتسع ، ( وبساتين ) جمع بستان بالضم الجنة . قال الفراء عربي . وقال غيره : رومي معرب ، ( ومقاصير ) جمع مقصورة وهي العلية في الدار أو جمع قصر على غير قياس ، ( وعرائس ) جمع عروس وصف يستوي فيه الذكر والأنثى ماداما في اعراسهما وجمع الرجل عرس بضمتين ، وجمع المرأة عرائس ، ( ودبابيج ) بباءين موحدتين جمع ديباج بالكسر ، والأصل دباج بالتضعيف ، فأبدل من أحد المضعفين حرف العلة ، فهذا يرد في الجمع إلى أصله ، وقيل : الياء أصلية فعلى هذا جمعه بياءين تحتيتين وهو ثوب سداه ولحمته إبريسم ويقال هو معرب ، ( ورياضا ) جمع روضة ، ( وخانات ) جمع خان وهي التي ينزلها المسافرون ، ( فالميمات ميادين القرآن ) كأنه لمناسبة ميم الميدان أو لأن الميم من الحروف الجوفية ، وهو على بادي نظر الناظرين وإن كان يرى ضيقا فهو أوسع من الميدان ، ( والراءات بساتين القرآن ) كأنه لمناسبة راء الراحلة فإن الإنسان يرتاح إلى البساتين ، وفي ذكر الراء بعد الميم إشارة إلى الخروج من الضيق إلى الفضاء ، ( والحامدات مقاصيره ) والحمد منها السور المبدوءة بالحمد للّه أو الآيات التي فيها ذكر الحمد ، ( والمسبحات عرائس القرآن ) وهي السور المبدوءة بالتسبيح ، وإنما شبهت بالعرائس لما لها من العزبين قومها ومن هنا قالوا : كاد العروس أن يكون ملكا . ( والحواميم ) وفي نسخة وآل حم وفي أخرى والحاميمات ( دبابيج القرآن ) شبهت بها لما في ظاهرها وباطنها من لباب الحكم كما أن الديباج سداه ولحمته إبريسم ، ( والمفصل رياضه ) لما فصل فيه من أنواع الأحكام والقصص والأمثال فهي كالرياض فيها أنواع الفواكه والثمار ( والخانات ما سوى ذلك ) ينزل فيها السالكون في طريق اللّه بفهم أسرارها