الثاني : التعظيم للمتكلم فالقارىء عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ، ويعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر وأن في تلاوة كلام اللّه عز وجل غاية الخطر ، فإنه تعالى قال :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
[ الواقعة : 79 ] وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرا فباطن معناه أيضا بحكم عزه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهرا عن كل رجس ومستنيرا بنور التعظيم والتوقير ، وكما لا يصلح لمس جلد المصحف كل يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ، ولا لنيل معانيه كل قلب . ولمثل هذا التعظيم كان عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف غشي عليه ويقول : هو كلام ربي هو كلام ربي ، فتعظيم الكلام
شرح
الناس للأنعام مثلا لما أفهم اللّه به الأنام من معاني كلامه الجليل بما ألهمهم فيه من الكلام إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم . فهذه قدرة لطيفة من قدره التي لا تتناهى وحكمة محكمة من حكمه التي لا تتضاهى إنه حكيم عليم .
( الثاني : التعظيم للمتكلم فالقارىء عند البداية ) أي الابتداء ( بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ) وجلالته وهيبته ، ( ويعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر وأن في تلاوته كلام اللّه عز وجل غاية الخطر ) وأن له في تلاوته حسبما له من تعظيمه ، والفهم له ، والمشاهدة منه ، والمعاملة به لأنه من أكبر شعائر اللّه تعالى في خلقه ، وأعظم آياته في أرضه الدالة عليه ، وللعبد من التعظيم له بقدر تقواه ، وله من فهم الخطاب وتعظيم الكلام على نحو ما أعطي من معرفة المتكلم وهيبته وإجلاله ، فإذا عظم المتكلم في قلبه وكبر في همه أنعم تدبر كلامه ، وأطال الفكرة في خطابه ، وأكثر تكراره وتكريره على نفسه ، وأسرع تذكره عند النازلة به والحاجة إليه فاتقى وحذر ، ولذلك قال تعالى :وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ البقرة : 63 ]كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[ البقرة : 187 ] لأن كل كلام موقوف على قائله يعظم بتعظيمه ويقع في القلب بعلو مكانه ، أو يهون بسهولة شأنه ، فاللّه تعالى ليس كمثله شيء في العظمة والسلطان وليس ككلامه في الاحكام والبيان ، ( فإنه تعالى قال :لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [ الواقعة : 79 ] وهو اخبار في معنى الإنشاء والتطهير أعم من تطهير الظاهر والباطن ، ( وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس ) له ، ( إلا إن كان متطهرا ) من الحدث والخبث ، ( فباطن معناه أيضا بحكم عزه وجلاله محجوب عن باطن القلب ) أي قلب التالي ، ( إلا إذا كان متطهرا عن كل رجس ) معنوي ( مستنيرا بنور التعظيم والتوقير ، وكما لا يصلح لمس المصحف كل يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ولا لنيل معانيه ) على سبيل الاستعاذة ( كل قلب ، ولمثل هذا التعظيم كان عكرمة بن أبي جهل ) المخزومي القرشي أسلم بعد الفتح ، وقتل يوم اليرموك وقد روى له الترمذي ، ورواية مصعب بن سعد عنه مرسلة : ( إذا نشر المصحف ) بين يديه ليتلو فيه ( غشي عليه ) وبكى ( ويقول : هو