تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
تعظيم المتكلم ولن تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله . فإذا حضر بباله العرش والكرسي والسماوات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار ، وعلم أن الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد ، وأن الكل في قبضة قدرته مترددون بين فضله ورحمته وبين نقمته وسطوته ، إن أنعم فبفضله وإن عاقب فبعدله ، وأنه الذي يقول هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي . وهذا غاية العظمة والتعالي فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ، ثم تعظيم الكلام . الثالث : حضور القلب وترك حديث النفس . قيل في تفسير :
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ
[ مريم : 12 ] أي بجد واجتهاد وأخذه بالجد أن يكون متجردا له عند قراءته منصرف الهمة إليه عن غيره ، وقيل لبعضهم : إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء فقال : أو شيء أحب إلي من القرآن حتى أحدث به نفسي ؟ وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن
شرح
كلام ربي هو كلام ربي ) مرتين ، ( فيعظم الكلام بتعظيم المتكلم ) وهيبته وجلاله ، ( ولن تحضره عظمة المتكلم ) في نفسه ( ما لم يتفكر في صفاته ) العلى ( وأفعاله ) الجميلة ومعاملاته مع غيره وحسن بلائه لهم ، ( فإذا حضر بباله ) من عظيم خليقته ( العرش والكرسي والسماوات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار ) وغيرها من مصنوعاته البديعة ، ( وعلم ) وتحقق بشهادة اليقين ( أن الخالق لجميعها ) بأنواعها وأصنافها ( والقادر عليها ) إيجادا وإعداما ( والرازق ) والمفيض عليها بأنواع النعم اللائقة بكل منها ( واحد ) أحد لا شريك له ، ( وأن الكل في قبضة قدرته ) وأسرة قهره ( مترددون بين فضله ورحمته ) لمن شاء ( وبين نقمته وسطوته ) لمن شاء ( إن أنعم فبفضله ) سبحانه ( وإن عاقب فبعدله ) لا معقب لحكمه ( وأنه الذي يقول هؤلاء ) يعني أهل اليمين ( في الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء ) يعني أهل الشمال ( في النار ولا أبالي ) كذا ورد ذلك في الخبر الصحيح ، ( وهذا غاية العظمة و ) نهاية ( التعالي ) دقت دونه الأعناق ( فالفكر في أمثال هذا يحضر ) أي يكون سببا باعثا لحضور ( تعظيم المتكلم ) في القلب ، ( ثم ) ينشأ منه ( تعظيم الكلام . الثالث : حضور القلب ) وهو عبارة عن حصول الجمعية بحفظ الأنفاس ( وترك حديث النفس ) أجل باعث عليه . ( قيل في تفسير قوله تعالى :يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ[ مريم : 12 ] أي بجد واجتهاد ) ومثلهخُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ *قيل بعمل به ، ( وأخذه بالجد ) هو ( أن يكون متجردا له عند قراءته منصرف الهم إليه عن غيره ) فلا يخطر له في تلك الحالة سوى ما يتعلق به ، ( و ) من هنا ( قيل لبعضهم ) من العارفين : ( إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء ) أي يخطر في بالك حديث نفس ؟ ( فقال : أو شيء أحب إليّ من القرآن أحدث به نفسي ) نقله صاحب القوت .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 85 | مرتضى الزبيدي