والنور وبه النجاة من الغرور وفيه شفاء لما في الصدور . من خالفه من الجبابرة قصمه اللّه ومن ابتغى العلم في غيره أضلّه اللّه . هو حبل اللّه المتين ونوره المبين والعروة الوثقى والمعتصم الأوفى ، وهو المحيط بالقليل والكثير والصغير والكبير . لا تنقضي عجائبه ولا تتناهى غرائبه لا يحيط بفوائده عند أهل العلم تحديد ولا يخلقه عند أهل التلاوة كثرة الترديد . هو الذي أرشد الأوّلين والآخرين ، ولما سمعه الجن لم يلبثوا إن ولّوا إلى
شرح
عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ[ آل عمران : 133 ] ولم يقل طولها لأن العرض أخص إذ كل ما له عرض له طول ولا عكس ، واللّه أعلم .
( وبه النجاة من الغرور ) وهو كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشيطان ، وفسر أيضا بالدنيا لأنها تغر وتمد وتضر ، وأصل الغرور سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع .
( وفيه شفاء لما في الصدور ) من سائر أمراضها وعللها الخفية من الوساوس والأوهام والخطرات والشكوك ( من خالفه ) أي أحكامه بأن لم يعمل بموجبها ( من الجبابرة ) جمع جبار . قال الخطابي : جبر خلقه على ما أراد من أمره ونهيه . يقال : جبره وأجبره بمعنى ( قصمه اللّه ) أي كسر ظهره إذ القصم يستعمل في كسر الشيء طولا ، ( ومن ابتغى العلم ) أي طلبه ( في غيره ) ظنا منه بأنه ليس فيه ( أضله اللّه ) أي أطمه في هوة الضلال والخسران ، ( وهو حبل اللّه المتين ) أي القوي فمن تعلق به وصل وبالحق اتصل ، ( ونوره المبين ) أي الظاهر الواضح ، ( والعروة ) بالضم ما تشد به القباب ونحوها بتداخلها بعضها في بعض دخولا لا ينفصم بعضه عن بعض إلا بفصم طرفه إذا فصمت منه عروة انقصم جميعه ( الوثقى ) فعلى للمبالغة من الوثوق ليشد باستيثاقه ما يخاف وهنه سماه بها على التشبيه بالعروة التي يستمسك بها وليستوثق . ومنه الحديث : « وذلك أوثق عرا الإيمان » . ( والمعتصم ) على صيغة اسم المفعول الموضع الذي يعتصم ويلتجأ إليه ( الأوقى ) أفعل من الوقاية وهي الحفظ . وروى البيهقي عن رجل من الصحابة لم يسم رفعه : « القرآن هو النور المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم » . ( وهو المحيط بالقليل والكثير والصغير والكبير ) لقوله تعالى :وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ[ الأنعام : 59 ] ( لا تنقضي ) على ممر الدهور ( عجائبه ) لكثرتها ، ( ولا تتناهى ) ما كرت العصور ( غرائبه ) أي نوادره الغريبة لا يعرفها إلا من يمارسها ويغوص في تيارها ( لا يحيط بفوائده ) جمع فائدة وهي ما استفيدت من طريقة مال هذا هو الأصل ، ثم استعير منه في فائدة العلم والأدب ( عند أهل الفهم ) وفي نسخة : العلم ( تحديد ولا يخلقه ) أي لا يبليه ( عند أهل التلاوة ) له ( كثرة الترديد ) بل يزداد جدة كلما ردّد فيه ، ( فهو الذي أرشد ) وفي نسخة أعيا ( الأولين والآخرين ) أي أرشدهم إلى الصواب ، وسلموا من طرق الضلال ، والعناد ، وعلى النسخة المذكورة معناه أعياهم فهم معانيه الخفية ، ( ولما سمعه ) أي القرآن نفر من ( الجن ) من وفد نصيبين قيل : كانوا سبعة ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وقيل : تسعة رواه عاصم عن زر بن حبيش ( لم يلبثوا أن ولّوا إلى قومهم ) انصرفوا ( منذرين ) مخوفين داعين بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .