تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 5

مساهمون:

ص٥
الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
[ فصلت : 42 ] حتى اتسع على أهل الأفكار طريق الاعتبار بما فيه من القصص والاخبار . واتضح به سلوك المنهج القويم والصراط المستقيم بما فصل فيه من الأحكام . وفرّق به بين الحلال والحرام فهو الضياء
شرح
وامتنه أيضا بمعنى واحد ( عباده ) المضافين إليه بالعبودية المحضة ( بنبيه المرسل ) أي بإرسال هذا النبي الكريم ، وقد أشار بذلك أنه تعالى جمع له بين مقامي النبوة والرسالة ، والنبوة سفارة بين اللّه وبين ذوي العقول من عبيده لإزاحة عللهم في معاشهم ومعادهم ، والنبي سمي به لكونه منبئا بما تسكن إليه العقول الزكية ، ويصح كونه فعيلا بمعنى فاعل ، وكونه بمعنى مفعول . والرسالة من الرسل وهو الانبعاث على تؤدة ، وقد أرسله اللّه فهو رسول ومرسل سمي به لتتابع الوحي عليه ، وهو باعتبار الملائكة أعم من النبي إذ قد يكون من الملائكة ، وباعتبار البشر أخص منه إذ الرسول رجل بعثه اللّه لتبليغ الأحكام ، ( وكتابه المنزل ) وهو القرآن ( الذي ( / لا يأتيه الباطل / ) ضد الحق وهو ما لا ثبات له من المقال والفعال عند الفحص عنه ، ( / من بين يديه ولا من خلفه / ) أي هو محفوظ من إتيان الباطل إليه من سائر جهاته ( / تنزيل من حكيم / ) هو المحكم للأشياء وموجدها على غاية الإحكام ( / حميد ) / ) [ فصلت : 42 ] هو المحمود الفعال ، فالتنزيل إذا كان من عند من هذه صفاته كيف يأتيه الباطل وفيه الاقتباس من قوله تعالى :وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ[ فصلت : 41 ، 42 ] الآية . والكلام في الفرق بين الإنزال والتنزيل مشهور لا نطيل به ، ( / حتى اتسعت على أهل الافتكار / ) الصحيح ( / طريق الاعتبار / ) وهي الحالة التي يتوصل بها من معرفة الشاهد إلى غيره ، وقيل : هو التدبر وقياس ما غاب على ما ظهر ، ( / بما فيه من القصص والاخبار / ) من سوالف الأعصار . قال تعالى : ( / إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار / ) [ آل عمران : 13 ، والنور : 44 ] في آي كثيرة تلوح إلى ذلك ، ( / واتضح به سلوك المنهج / ) هو الطريق الواضح ( / القويم / ) المعتدل الذي لا اعوجاج فيه ، ( / وهدى به الصراط المستقيم / ) وهو الطريق الحق الواضح المعتدل ، ( / بما فصل فيه من الأحكام / ) الإلهية ، ( / وفرق به بين الحلال والحرام / ) فيه تخصيص بعد تعميم ، ( فهو الضياء والنور ) هما مترادفان ، وقيل : الضياء أخص من النور . وتقدم ذلك في أوائل كتاب العلم ، وقال بعضهم : النور هو الضوء المنتشر الذي يعين على الابصار ، وهنا قاعدة نذكرها وهي أنهم قالوا إن نفي العام يدل على نفي الخاص ، وثبوته لا يدل على ثبوته ، وثبوت الخاص يدل على ثبوت العام ، ونفيه لا يدل على نفيه ، ولا شك أن زيادة المفهوم من اللفظ توجد الالتذاذ به ، فلذلك كان نفي العام أحسن من نفي الخاص ، وإثبات الخاص أحسن من إثبات العام فالأول : كقوله :فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ[ البقرة : 17 ] ولم يقل : « بضوئهم » بعد قوله : « أضاءت » لأن النور أعم من الضوء إذ يقال على القليل والكثير ، وإنما يقال : الضوء على الكثير من النور ، ولذلك قال :هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً[ يونس : 5 ] ففي الضوء دلالة على النور ، فهو أخص منه فعدمه يوجب عدم الضوء بخلاف العكس ، والقصد إزالة النور عنهم أصلا ولذا قال عقبه :وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ[ البقرة : 17 ] والثاني كقوله :جَنَّةٍ
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 5 | مرتضى الزبيدي