تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
الْمُعْتَدِينَ
[ الأعراف : 55 ] ، وقال تعالى :
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
[ غافر : 60 ] ، وقال عز وجل :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
[ الإسراء : 110 ]
شرح
وقال عز وجل :قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى[ الإسراء : 110 ] نزلت حين سمع المشركون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « يا اللّه يا رحمن » فقالوا : إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر . والمراد التسوية بين اللفظين ، فإنها يطلقان على ذات واحدة وإن اختلف اعتبار اطلاقهما ، والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود « والواو » للتخيير والتنوين في أيّا عوض عن المضاف « وما » صلة لتأكيد ما في « أي » من الابهام . كان أصل الكلام وايّا ما تدعوا فهو أحسن ، فوضع موضعه فله الأسماء الحسنى للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه ، وكونها حسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام . وقال تعالى :وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) قيل : معناه اعبدوني إثب لكم لقوله :إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِيالآية و ( داخرين ) صاغرين وإن فسر الدعاء بالسؤال لأن الاستكبار الصادر عنه منزل منزلته للمبالغة والمراد بالعبادة الدعاء . فإن قيل : ما وجه قوله تعالى أجيب دعوة الداعي إذا دعاني وقوله تعالى :ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْوقد يدعى كثيرا فلا يجيب ؟ قلنا : اختلفوا في معنى الآية الأولى قيل : معنى الدعاء الطاعة ومعنى الإجابة الثواب ، وقيل : معنى الآيتين خاص وإن كان لفظهما عاما . تقديرها : أجيب دعوة الداعي إذا شئت ، كما قال تعالى :فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ[ الأنعام : 41 ] وأجيب دعوة الداعي إن وافق القضاء وأجيبه إن كانت الإجابة خيرا له ، وأجيبه إن لم يسأل محالا . وروى ابن زنجويه في فوائده عن عبد اللّه بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس ، عن أبي هريرة رفعه قال : « يستجيب لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل . قالوا : ما الاستعجال يا رسول اللّه ؟ قال : يقول قد دعوتك يا رب فلا أراك تستجيب لي فيتحسّر عند ذلك فيدع الدعاء » وقيل : هو عام ، ومعنى قوله : « أجيب » أي أسمع . ويقال : ليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة ، فأما إعطاء الأمنية فليس بمذكور فيها ، قد يجيب دعاء السيد عبده والوالد ولده ثم لا يعطي سؤاله فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوى ، وقيل : معنى الآية أنه يجيب دعاءك فإن كان قدر له ما سأل أعطاه ، وإن لم يقدر له أدخر له الثواب في الآخرة أو كف عنه سوءا . والدليل عليه ما رواه ابن زنجويه في فوائده من طريق مكحول عن جبير بن نفير عن عبادة بن الصامت رفعه قال : « ما على الأرض رجل مسلم يدعوه إلا آتاه اللّه إياها أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم » وقيل : إن اللّه يجيب دعوة المؤمن في الوقت ويؤخر اعطاء
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 233 | مرتضى الزبيدي